ملف خاص: الصهيونية … تاريخها. سياستها. واقعها
كتبهاحسن عزت ، في 17 تشرين الثاني 2008 الساعة: 09:17 ص
يشكل المشروع الصهيوني المتجسد على ارض فلسطين ا لتحدي الأبرز والأخطر لواقع ومستقبل الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، فقد استطاعت الحركة الصهيونية بالتحالف مع الاستعمار الغربي تحويل الأساطير والأوهام إلى واقع ماثل يمارس الإرهاب والعدوان على الشعب الفلسطيني وأجزاء من الشعوب العربية، ليقف شاهداً مريعاً على انحطاط قيم العدالة والحرية في عالم تحكمه المادة والمصالح، كما يدل بصورة قاطعة على الهوان والتشرذم الذي وصلت إليه الأمة العربية والإسلامية في مواجهة أعدائها الصهاينة ومن خلفهم.
وقد تعددت الرؤى والاجتهادات في فهم ظاهرة الحركة الصهيونية حسب اختلاف المناهج وزوايا النظر، فالبعض ينظر إليها باعتبارها إفرازاً من إفرازات الاستعمار الغربي وأداة من أدواته، والبعض يرى فيها وسيلة يهودية – أوروبية لحل المشكلة اليهودية في العالم المسيحي الأمريكي، والبعض يراها تعبيراً عن الأماني الدينية أو القومية أو الثقافية الدينية اليهودية، ونتاجاً للحراك الداخلي في الجاليات اليهودية في أوروبا، في سياق التطور الحضاري والمدني الأوروبي الاجتماعي والاقتصادي، وهناك من يراها من زاوية دينية بحتة فالصهيونية ببساطة هي اليهودية نفسها بما تكنه من عداوة وبغضاء للذين آمنوا، ولعل جميع الرؤى والتفسيرات تلقي الضوء على زاوية من طبيعة هذا المشروع الاستيطاني الاحلالي على ارض فلسطين، وجميعها تحمل على الأقل جزءاً من الحقيقة حول هذا المشروع وطبيعته ومنطلقاته وظروف نشأته وتطوره وصولاً إلى تجسيده.
الخلفيات التاريخية والاجتماعية والسياسية لنشأة الحركة الصهيونية
الخلفية التاريخية للحركة الصهيونية
بلا شك فإن أية ظاهرة سياسية أو اجتماعية إنما هي وليدة مجموعة من العوامل المتفاعلة داخل إطار المجتمع الذي نشأت فيه، وإذ أننا أمام ظاهرة نشأت وتفاعلت مع المجتمع الأوروبي، وتأثرت بالحركات الدينية والسياسية والاقتصادية الأوروبية، ترافقت مع تحولات ثقافية وقيمية وتنظيمية في الجاليات اليهودية داخل أوروبا، مما أدى إلى توفر الظروف الملائمة لنشأة الحركة الصهيونية، وتدشين العمل للمشروع الصهيوني في فلسطين، فمن المعلوم بأن الغالبية الساحقة ليهود العالم عند نهاية القرن التاسع عشر كانت توجد في العالم الغربي وخاصة أوروبا، ومن ثم فإنهم جزء من تاريخ العالم الغربي، ومن ثم فإن الصهيونية إحدى ثمار حركيات وآليات المجتمعات التي ينتمي لها هؤلاء اليهود الصهاينة.
ولاستعراض الخلفيات التاريخية السياسية الاجتماعية والاقتصادية التي شملت الأرضية لانطلاق المشروع الصهيوني، لا بد من تناوله من زاويتين، زاوية التطورات في المجتمع الأوروبي، وزاوية التطورات في التجمعات اليهودية في أوروبا.
أولاً: التطورات على الصعيد الأوربي :
فقد شهدت أوروبا ابتداءً من القرن السادس عشر ما يسمى (الانقلاب التجاري) إذ بدأ العمل التجاري الذي كان هامشياً في الهيمنة على الاقتصاد الزراعي الإقطاعي وأعاد صياغة الإنتاج وتوجيهه بحيث خرج به عن نطاق الاكتفاء الذاتي وسدّ الحاجة، وبدأ التجار يلعبون دوراً هاماً في توجيه سياسات الحكومات.
وواكب هذا حركة الإصلاح الديني التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدس عند النصارى، بحيث أصبح بإمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون الحاجة إلى رجال الدين، ونجم عن ذلك المذهب البروتستانتي الذي مهد لاعتماد العهد القديم(التوراة) باعتباره جزءاً من الاعتقاد المسيحي، والذي أسس بدوره لعلاقة ذات نمط وإطار جديد للعلاقة بين المسيحية واليهودية، والتي كانت تتسم بالعداء والتوتر، والتقت بذلك العقيدة الاسترجاعية للطرفين ولكن كل من زاويته الخاصة، وكانت نقطة الالتقاء الأساسية هي إقامة كيان ودولة لليهود في فلسطين.
نتج عن هذه الانقلابات التجارية والصناعية والسياسية والدينية نتائج كثيرة متنوعة تتفاوت في أهميتها. ولكن أهمها، من منظور دراسة الحركة الصهيونية، النتائج التالية:
1) ساهم الإِصلاح الديني وظهور النزعة الإِنسانية (Humanism) في تفجير طاقات الإِنسان الغربي ورغباته وشهواته، وظهور ما سُميّت بـ (المسألة الغربية)، أي حاجة الإنسان الغربية (الشرهة) إلى المواد الخام والأسواق والأراضي التي تصلح لتوطين الفائض البشري.
2) نظراً لاتساع نفوذ أوروبا (ولأسباب أخرى) دخلت الخلافة العثمانية مرحلة الأزمة وأصبح سقوطها وشيكاً. وظهرت مشكلة تقسيم تركة رجل أوروبا المريض وهذا ما يطلق عليه (المسألة الشرقية).
3) أدت الثورة التجارية الصناعية والنزعة القومية في أوروبا، إلى ظهور ما يسمى بـ مسألة اليهودية:
أ- تضاءل دور اليهود، بعد فقدان المرابي اليهودي التقليدي لدوره، وظهور النظام الاقتصادي والمالي الحديث.
ب- بعد تعاظم الوجود اليهودي في روسيا بعد ضم أجزاء من بولندا إليها، حيث كانت تعيش اكبر جالية يهودية، ونظراً لظهور النزعة القومية المتعصبة، والتي ترى أن المجتمع يقوم على وحدة الدم والأرض، ومشاركة فتاة يهودية في محاولة اغتيال القيصر، صدرت العديد من القوانين التي تقيد حياة اليهود كأقلية متآمرة، غريبة عن الدين والقومية الروسية، مما عرضها للاضطهاد وخاصة بعد صدور قوانين عام 1882 الخاصة باليهود.
ت- انعزال اليهود عن المجتمعات الأوروبية، وتحدثهم اليديشية في وسط سلافي، وعقلية الجيتو الانعزالية التي تتسم بثنائية حادة تقسم العالم إلى يهود (أخيار) وأغيار (أشرار)، عزز الرغبة المتبادلة لليهود والأوروبيين لتغيير الواقع القائم بحل المسألة اليهودية والغربية، على حساب الشرق.
ث- رغم أن أوروبا أصبحت طاردة للوجود اليهودي، ورغم الهجرة الواسعة من أوروبا الشرقية إلى أمريكا، إلا أن الزيادة السكانية لليهود كانت الأعلى في أوروبا، لهذا لم تحد موجات الهجرة هذه من الأعداد الكبيرة لليهود فيها.
ج- اندلعت موجات من معاداة الأقليات في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر، نتيجة للخطاب والرؤية الاستعمارية للأوروبيين، ورغم أن العنصرية الغربية كانت موجهة بالدرجة الأولى ضد شعوب آسيا وإفريقيا (السوداء والصفراء والملونة) إلا أن الأقليات الأوروبية نالها نصيب وافر من العنصرية مثل الإيطاليين، والبريتون في فرنسا، والكاثوليك في دولة بروتستانتية مثل ألمانيا، والغجر في كل أنحاء أوروبا، وقد نال بعض أعضاء الجماعات اليهودية نصيب من هذه العنصرية باعتبارهم قتلة المسيح وأعضاء جماعة غير مرغوب فيها.
4) نظرة الأوروبيين لليهود باعتبارهم كتلة سكانية ذات خصائص مميزة يمكن توظيفها بما يخدم الأهداف الاستعمارية الأوروبية، وهي نظرة تكرست عبر أجيال وثقافة الأوروبيين الدينية والاجتماعية، ويمكن تصنيف هذه النظرة إلى مفهومين رئيسين هما:
أ- الشعب العضوي:
هو شعب يرتبط أعضاؤه فيما بينهم وبأرضهم بأواصر عضوية لا يمكنهم الفكاك منها. فقد نظرت الحضارة الغربية إلى اليهود لا باعتبارهم مجرد أقلية أو جماعة دينية، وإنما باعتبارهم أعضاء في شعب عضوي له صفاته الخاصة، المقصورة عليه، وبعض هذه الصفات إيجابية ولكن معظمها ـ في المنظور الغربي ـ سلبي ومن أهمها أن اليهود يرتبطون عضوياً بفلسطين، ومن ثم فهم لا ينتمون إلى التشكيل الحضاري الغربي ويقفون على هامش التاريخ الغربي، ويشكلون عناصر طفيلية لا جذور لها. وقد نظر العالم الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم وسيلة لا غاية، ففي الصياغة الدينية الكاثوليكية يعتبر اليهود شعباً شاهداً تدل ضعته وتدنيه على عظمة الكنيسة وانتصارها. والصياغة البروتستانتية تعتبر اليهود عنصراً ضرورياً في عملية الخلاص التي لا يمكن أن تتم إلا بإرجاعهم إلى فلسطين وتنصيرهم، (وهذا ما يسمى «العقيدة الاسترجاعية»). ولا تختلف الصياغة العلمانية اللادينية كثيراً عن ذلك. إِذ ينظر الغرب لليهود على أنهم عنصر يمكن استخدامه في المشاريع التجارية والاستيطانية لما لهم من قدرات تجارية خاصة، فهم مادة بشرية يمكن توظيفها لصالح الغرب.
ب- الجماعة الوظيفية
هي مجموعة من البشر يستورد أعضاؤها من الخارج ليضطلعوا بوظيفة محددة، إما لأنها مشينة (البغاء)، أو متميزة (القتال) أو صعبة ولا يمكن أن يقوم بها أعضاء المجتمع (الاستيطان)، أو مهمة وحساسة (الوظائف الأمنية). ويدخل المجتمع المضيف مع أعضاء الجماعة الوظيفية في علاقة تعاقدية، يصبحوا بمقتضاها شخصيات وظيفية نافعة تعرف في إِطار وظيفتها لا في إِطار إِنسانيتها المتعينة، فهم وسيلة لا غاية. وقد شغل أعضاء الجماعات اليهودية دور الجماعة الوظيفية في الحضارة الغربية فاشتغلوا بالربا والتجارة. وعادة ما يظل وضع الجماعة الوظيفية مستقراً حتى يكون المجتمع في حاجة إِليها. ولكن يختلف الوضع تماماً حينما تطرأ تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تجعل المجتمع أقل احتياجاً للجماعة الوظيفية، أو في غنى عنها تماماً، فيتحول أعضاء الجماعة من جماعة هامشية إلى جماعة منبوذة.
تبلور الفكر الصهيوني في الفكر والسياسة الغربية
هذا هو الإِطار العام لمولد الصهيونية كفكر وممارسة، وقد ظهرت الفكرة أول ما ظهرت في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر (ويطلق على هذه النزعة اسم الصهيونية المسيحية، وهي تمارس الآن بعثاً جديداً في الولايات المتحدة وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية «الأصولية» المتطرفة). ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء العلمانيين، تنادي بإِعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ، وتطورت الفكرة لتتجاوز الهامشية والضبابية، ولتتحول إلى فكرة مركزية في الوجدان السياسي الغربي.
فمن المعلوم أن اليهود في معظم تاريخهم لم يرتبط وجودهم بإطار جغرافي محدد، وبالتالي فالأرض لم تكن تمثل جزءاً من هويتهم الحضارية، بالنظر إلى تعدد المراكز الجغرافية التي أقام فيها اليهود - إذا استثنينا الفترة التي أقام اليهود فيها في فلسطين- ولذلك فإن الحديث عن الشخصية اليهودية بين الأقليات اليهودية، المبعثرة في كل أنحاء العالم، والتي تخضع لمؤثرات مختلفة، أمر ليس باليسير.
إن للحضارة الغربية بوجه خاص، أثر كبير في صياغة أفكار وفلسفة الحركة الصهيونية، إذ إن الأخيرة قد نشأت في أوروبا، وكانت تعبيراً عن محصلة الأفكار والفلسفات الاجتماعية والسياسية المنتشرة في القرن الثامن والتاسع عشر، ولا ننفي بذلك الخصوصية المتمثلة بالتراث الثقافي اليهودي، ولكن الذي نميل إليه أن الصهيونية كحركة سياسية استعمارية، تم صياغة أفكارها بشأن القومية اليهودية واستعمار فلسطين، كنتاج للمناخ الاستعماري الذي ميز السياسات الغربية في القرن التاسع عشر.
ولقد أثبت التاريخ أن معظم اليهود لم يقصدوا فلسطين في هجراتهم، على الرغم من أن أبواب فلسطين كانت مفتوحة لهم وإنما كانت وجهة الغالبية منهم العالم الجديد بحثاً عن الثروة والذهب، وما كان للروابط الروحية المزعومة بفلسطين أن تتحول إلى حركة صهيونية تعمل على إقامة كيان لليهود، إلا بفعل المخطط الاستعماري الغربي الذي كان يقصد استغلال المنطقة العربية والتي تعتبر من الناحية الاستراتيجية بوابة أوروبا على آسيا فضلاً عن غناها بالموارد الطبيعية.
ويمكن القول بأن عملية بلورة منظومة الفكر الصهيوني غربياً تمت على يد كل من اللورد شافتسبري (1801 ـ 1885) والسير لورانس أوليفانت (1829 ـ 1889).
واللورد شافتسبري هو واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، فقد كان يعد أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وكان بالإِضافة إلى ذلك فهو شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين الذين كانوا يحاولون تنصير اليهود، ولذا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في تفكيره، ومحط اهتمامه الشديد. وموقف شافتسبري من اليهود موقف صهيوني نموذجي:
1) كان شافتسبري يخلط بين العناصر الاجتماعية والدينية والتاريخية، ويتداخل في عقله الوقت الحاضر بالزمان الغابر بالتاريخ التوراتي. ولذا، فقد كان يرى اليهود باعتبارهم شعباً مستقلاً وجنساً عبرياً يتمتع باستمرارية لم تنقطع، أي أنه يدور في إطار فكرة التاريخ اليهودي.
2) لكن اليهود في التراث المسيحي هم قتلة المسيح، ولذا نجد صورتهم سلبية في كتابات شافتسبري، فهم جنس «من الغرباء»، «متعجرفون، سود القلوب، منغمسون في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل». وليسوا سوى «خطأ جماعياً»، وينبغي عليهم العودة إلى الإيمان بالمسيح حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى عودة المسيح الثانية وخلاص البشر.
3) انطلاقاً من هذا الخليط الفريد من الأطروحات السياسية والدينية والعرقية عارض شافتسبري منح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية.
4) ومع هذا لاحظ شافتسبري أن هذا الشعب يمكن توظيفه في خدمة الإِمبراطورية الإنجليزية للأسباب التالية:
أ- اليهود مادة استيطانية جيدة «فهو جنس معروف بمهارته ومثابرته الفائقة، ويستطيع أعضاؤه العيش في غبطة وسعادة على أقل شيء، فهم قد ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة».
ب- اليهود مشهورون بحب المال والجشع والبخل وعندهم رؤوس أموال.
ت- لاحظ شافتسبري أن ثمة علاقة بين هذا الشعب وبقعة جغرافية محددة هي فلسطين، فبعثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك، كما أن وجودهم في هذه البقعة يمثل ـ كما تقدم ـ عنصراً حيوياً في الرؤية المسيحية للخلاص. وكما قال: «إن أي شعب لا بد أن يكون له وطن. الأرض القديمة للشعب القديم». ثم طور هذا الشعار ليصبح «وطن بلا شعب، لشعب بلا وطن».
ث- كما لاحظ شافتسبري أهمية سوريا (وضمنها فلسطين) لإنجلترا ومدى حاجتها «لإِسفين بريطاني هناك».
هنا يصل شافتسبري إلى النتيجة المنطقية لمقدماته وهو أنه بوسع اليهود القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، «فعودتهم لاستعمار فلسطين أرخص الطرق وأكثرها أمنا للوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يعرضوا أحداً ـ سوى أنفسهم ـ للخطر». وسيعود هذا بالفائدة لا على إنجلترا بمفردها وإنما على العالم المتمدن (أي الغربي) بأسره.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار طرحت قبل عشرين سنة من ميلاد هرتزل فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، ولا سيما فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية في خدمة هذه المجتمعات عن طريق نقلهم. وقد لاحظ الصهيوني الروسي سوكولوف ـ بحق ـ أوجه تشابه بين كتابات شافتسبري وبرنامج بازل.
ويلاحظ أن شافتسبري لم يكتف بالصياغات النظرية الصهيونية بل لعب دوراً نشطاً وفعالاً، فكان يكتب المذكرات التفصيلية المحددة لبالمرستون. ومن المعروف أن أول قنصلية إنجليزية في القدس تم افتتاحها نتيجة لإِلحاحه وبناء على توجيه منه، كما أنه ترأس صندوق استكشاف فلسطين الذي قام أعضاؤه بكتابة الدراسات المكثفة عن آثار فلسطين من منظور إِنجيلي استرجاعي. وعلى الرغم من أن شافتسبري كان يستخدم صياغات تبشيرية واضحة فإِنه كان مدركاً لضرورة تأكيد الأبعاد الجغرافية والسياسية والنفعية لمشروعه حتى يلقى قبولاً لدى صانع القرار الغربي.
أما الشخصية الثانية المهمة فهو سير لورانس أوليفانت صديق لورد شافتسبري الذي عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بعض الوقت في الشؤون الهندية، وكان عضواً في البرلمان الإنجليزي. وينطلق أوليفانت ـ شأنه شأن معظم الصهاينة ـ من فكرة الشعب العضوي المنبوذ، فاليهود جنس مستقل يتسم أعضاؤه بالذكاء في الأعمال التجارية والمقدرة على جمع المال، ولكن وجودهم داخل الحضارة الغربية أمر سلبي، إِذ إن جذورهم في فلسطين،
ولذلك دعا بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود، لا في فلسطين وحسب، وإنما في الضفة الشرقية للأردن كذلك وكان المشروع يتلخص في إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وتمويل من الخارج ويكون مركزها استنبول (وقد لاحظ بن هالبرن، وهو أحد المؤرخين المحدثين للصهيونية ومن المؤيدين لها، أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات هرتزل فيما بعد).
وكانت صهيونية أوليفانت تتسم بالعملية والحركية، فاتجه إلى فلسطين للبحث عن موقع مناسب للمستوطن المقترح، واختار منطقة شرق الأردن في شمال البحر الميت وتسمى منطقة جلعاد في التوراة (العهد القديم)، ثم اتجه إلى استنبول (مع ادوارد كازلت الممول الإنجليزي اليهودي) لعرض مشروع سكة حديد وادي الفرات، وقدما طلبه إلى السلطان بإِعطاء اليهود قطعة من الأرض بعرض ثلاثة كيلو مترات على حافتي الطريق المقترح.
وكانت تربط أوليفانت علاقة بعدد من الزعماء الصهاينة في شرق أوروبا، ويبدو أنه لم يكن بعيداً عن تأسيس جماعة الـ «بيلو» الصهيونية اليهودية. وقد قام بطرح مشروعهما للحصول على قطعة أرض في فلسطين على السلطان العثماني. وحضر أحد مؤتمرات جماعة أحباء صهيون، كما عارض الجهود التي كانت تبذلها جماعة الأليانس لتهجير اليهود إلى الولايات المتحدة لإِنقاذهم، وقام بجمع توقيعات من اليهود على عريضة يؤكدون فيها رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين لا إلى غيرها من البلدان. وقد نجح أوليفانت بالفعل في تهجير سبعين يهودياً من أصحاب الحرف إليها.
وفي عام 1880 نشر كتابه أرض جلعاد الذي نادى فيه بضرورة توطين اليهود في فلسطين، وشرح أبعاد فكره الصهيوني الذي أسلفنا الإشارة إليه. ولعل من إسهامات الكتاب الأساسية مشروعه الخاص بسكان البلاد من العرب. فبعد أن عبر أوليفانت عن عدم تعاطفه مع العرب باعتبارهم مسؤولين عن إفقار فلسطين، قسمهم إلى قسمين: بدو وفلاحين، واقترح طرد البدو ووضع الفلاحين في معسكرات مثل معسكرات الهنود في كندا، على أن يتم استخدامهم مصدراً للعمالة الرخيصة تحت الإِشراف اليهودي. وقد ترجم سوكولوف الكتاب إلى العبرية عام 1886 ووزع منه 12000 نسخة، وهو رقم قياسي بالنسبة للمنشورات العبرية آنذاك.
وقد عاد أوليفانت إلى فلسطين ليساعد المستوطنين الصهاينة، وكتب مجموعة من المقالات عن المستوطنات الصهيونية. ووضع كتاباً بعنوان حيفـا أو الحياة في فلسطين الحديثة، ومات في هذه المدينة الفلسطينية عام 1888.
وتتميز صهيونية أوليفانت عن صهيونية شافتسبري باقترابها من اليهود ومحاولة التوجه إليهم وتجنيدهم. كما أن المشروع الصهيوني في كتاباته لم يكن مشروعاً سياسياً عاماً، بل كان مشروعاً عملياً محدداً يتناوله بكل تفاصيله وأبعاده. ولا يعبّر أوليفانت عن كرهه لليهود بشكل مباشر كما كان يفعل شافتسبري أحياناً، وإنما عن طريق طرح مشروع متكامل للتهجير والتوظيف يتبناه اليهود بأنفسهم، كما أنه عمل على تخليص الصهيونية من الشعارات الدينية وإِعطائها وجهاً عملياً علمانياً، بحيث أصبح من الممكن تداولها بين أكبر عدد ممكن من المسيحيين واليهود واللادينيين.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الصهيونية إِذن ظاهرة غير يهودية؟ وردنا على هذا السؤال سيكون بالإِيجاب. فالصهيونية ـ كما أسلفنا ـ هي بالدرجة الأولى نظرية سياسية غربية ومشروع غربي استيطاني إِحلالي، كان أعضاء الجماعات اليهودية بمنأى عنه تماماً لأسباب عديدة:
1) لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية مشاركين في عمليات صنع القرار في الغرب، بل ولم يكونوا قريبين من صناع القرار.
2) لم تكن جماعات الضغط اليهودية قد تكونت بعد، فعدد أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من بلدان أوروبا كان صغيراً. بل إن إنجلترا التي شهدت تصاعد الدعوة الصهيونية لم يكن فيها يهود مع بداية العصر الحديث وظل اليهود فيها يشكلون أقلية صغيرة للغاية لا يعتد بها حتى منتصف القرن التاسع عشر.
3) كانت اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية قد قامت بتحويل فكرة العودة إلى أمر يتحقق في آخر الأيام، أي إلى ضرب من الحلم الديني الذي لا يتحقق إلا في مجال التاريخ المقدس لا على المستوى الإنساني الزمني. ولذا كان اليهود ـ وبخاصة في الغرب ـ يرفضون التورط في مشاريع العودة التي تدعي أنها مشاريع قومية. وقد رفض مجلس المندوبين اليهود بإنجلترا الاقتراح الذي تقدم به الكولونيل تشارلز(1814_1877) (الصهيوني غير اليهودي) لتوطين اليهود في فلسطين.
4) شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور اليهودية الإِصلاحية بتأكيدها المثل الاندماجية ورفضها العودة الفعلية إلى فلسطين رفضاً تاماً. وعقد عام 1845 مؤتمر فرانكفورت الشهير الذي حذف من كتب الصلوات جميع التوسلات للعودة إلى أرض الآباء وإحياء دولة يهودية. وحينما عقد المؤتمر اليهودي الأول عام 1872 لبحث مشكلة يهود رومانيا «لم يتطرق إلى أي حل عن طريق الهجرة اليهودية إلى فلسطين».
5) ظهرت في صفوف اليهود حركة الهسكلاه (حركة التنوير اليهودية) التي دعت اليهود للاندماج في أوطانهم.
6) شهدت كثير من بلدان أوروبا حركة تحديث وتصنيع قوية أتاحت فرص الحراك والاندماج الاجتماعي أمام أعضاء الجماعات اليهودية. كما أن كثيراً من حكومات الغرب سعت جاهدة لدمج اليهود.
الوعود الغربية لليهود
نابليون يدعو اليهود لإقامة دولة في فلسطين
وجه القائد الفرنسي نابليون بونابرت نداء إلى اليهود أثناء غزوه لفلسطين، وذلك بتاريخ 20 نيسان 1799 مناشداً يهود العالم ليخفوا ويساهموا في إعادة بناء «مملكة أورشليم القديمة» . وقبل عام من هذا التاريخ كانت قد نشرت رسالة ونسبت إلى يهودي فرنسي بدون اسم دعا إخوانه في الدين إلى العودة إلى وطنهم القديم وتحريره من «اللصوص اللئام» الذين دنسوا المدينة المقدسة ويطلب مساعدة فرنسا لتحقيق هذا الهدف، مقابل ولاء اليهود لفرنسا .
وباستعراض هذه الدعوات يمكننا استنتاج الآتي:
1ـ إن دعوة نابليون لليهود بإقامة وطن لهم، لم تكن دعوة عن حب وتأييد لليهود إذ أن من المعلوم أن نابليون كان يحقد على اليهود، ويصفهم بأقذع الأوصاف. ومن هنا يظهر أن المصلحة الاستعمارية هي التي أملت على نابليون هذا النداء.
2ـ إن هذا النداء له دلالة عظيمة في إظهار أن بذور الصهيونية الأولى لم تأت كآمال يهودية خالصة، وإنما كانت رغبة استعمارية، وذلك للتخلص من المشكلة اليهودية في أوروبا، وتصدير الفائض منهم إلى الشرق الأوسط، واستغلال اليهود في خدمة مصالح الدول الاستعمارية.
وقد صدرت وعود من ألمانيا كان أحدها عبارة عن خطاب من دوق ايلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل مؤرخ في سبتمبر 1898، وجاء فيه أن جلالته على استعداد لأن يأخذ على عاتقه محمية يهودية في حالة تأسيسها. كما أصدرت حكومة روسيا القيصرية وعداً آخر أخذ شكل رسالة وجهها فون بليفيه وزير داخلية روسيا إلى ثيودور هرتزل يعبر فيها عن تأييد روسيا المعنوي والمادي للحركة الصهيونية.
بريطانيا تتبنى المشروع الصهيوني
زاد حرص بريطانيا في السيطرة على أرض فلسطين بعد فشل الحملة الفرنسية بقيادة نابليون وظهر رأي ينادي بضرورة أن تقوم بريطانيا بتثبيت مركز لها في فلسطين، عن طريق إقامة مستعمرة يهودية فيها تحت نفوذ التاج البريطاني. وذلك لأن إقامة مثل هذه المستعمرة لن يكلف الخزينة البريطانية تكلفة كبيرة. فهو استعمار بأرخص الأثمان. ومن أصحاب هذا الرأي اللورد أشلي الذي قال سنة 1838 تعليقاً على تعيين نائب قنصل لبريطانيا في فلسطين: «إن تربة فلسطين ومناخها يناسبان بشكل فريد إنتاج المحاصيل التي تلزم لحاجيات بريطانيا العظمى وأن بإمكان بريطانيا أن تحصل على ذلك عن طريق إقامة مستعمرة يهودية تحت الحماية البريطانية» .
وتولى البريطاني اليهودي الشهير السير موسى مونتفوار النشاطات الخيرية البريطانية على الساحة الفلسطينية، كمقدمة لإيجاد نفوذ بريطاني في فلسطين، ومن الطريف أنه في الوقت الذي كان المسيحيون يرددون في كل مكان عودة بني إسرائيل إلى فلسطين كتب السير موسى مونتيفوار معلقاً على فتح العثمانيين أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، «لم يكن هناك يهودي واحد في بريطانيا يرغب في الانتقال إلى فلسطين» .
وكتب الضابط المقيم للحكومة البريطانية في دمشق العقيد تشرشل عدة رسائل يحرض فيها السير مونتفوار للضغط على اليهود لإعادة بناء وطنهم في فلسطين، ويقول في إحدى هذه الرسائل: «الأمر مرهون باليهود للقيام ببداية، على رجالهم البارزين أن يتقدموا ويضعوا أنفسهم في مقدمة الحركة، وعليهم أن يجتمعوا ويتفقوا ويقدموا عرائض، الحقيقة أنه من الضروري القيام بالتحريض في وقت واحد في شتى أنحاء أوروبا» .
وهكذا استمرت الدعوات البريطانية تحرض اليهود وتنظم جهودهم وتجمع التأييد لهم من أجل بناء دولة لليهود في فلسطين، وكان من أبرز هذه الدعوات مؤتمر كامبل بانرمان الشهير والذي انعقد بلندن عام 1907 وضم مجموعة ضخمة من العلماء في شتى مجالات التخصص العلمية والإنسانية وممثلين عن كل الدول الاستعمارية في ذلك الزمان، والذي افتتحه رئيس وزراء بريطانيا كامبل بانرمان بكلمة جاء فيها: «إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء. والواجب يقتضي أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار تلك الحضارة».
وخرج المؤتمرون بتوصيات جاء فيها: «أن الخطر الذي يهدد الاستعمار الغربي يكمن في البحر الأبيض المتوسط الذي يؤلف حلقة الاتصال بين الشرق والغرب، والذي يقيم على سواحله الشرقية والجنوبية شعب واحد متميز بكل مقومات التوحد والترابط، وبما في أراضيه من كنوز وثروات تتيح لأهلها مجال التقدم والرقي في طريق الحضارة والثقافة، وأوصى التقرير لمواجهة هذا الخطر بأن تعمل الدول الاستعمارية على تجزئة المنطقة والإبقاء على تفككها، ومحاربة أي اتحاد يقوم بين أجزائها، والسعي الدائب إلى تفسيخها عملياً وفكرياً وتاريخياً، واقترح التقرير كوسيلة عاجلة، العمل على فصل الجزأين الإفريقي والآسيوي في هذه المنطقة، وإقامة حاجز بشري غريب في نقطة التقاء هذين الجزأين، يمكن الاستعمار أن يستخدمه كأداة تحقيق أغراضه» .
مما تقدم يتضح مدى الحماس البريطاني والاستعماري بشكل عام، لإقامة كيان غريب في أكثر المناطق حساسية وأهمية، وهي فلسطين.
يلخص ونستون تشرشل أطماع بريطانيا بقوله، غداة صدور وعد بلفور «إن قيام وطن قومي لليهود في فلسطين يخدم أهداف بريطانيا من حيث إنه يساعدها على مواجهة تناقض المصالح الحادة بينها وبين العرب، وأن هذا الوطن القومي لليهود في فلسطين سوف يكون عازلاً يفصل بين العرب شرق سيناء والعرب غرب سيناء، ثم إن الوطن القومي لليهود سيكون بحاجة إلى الدفاع عن نفسه ضد الامتداد العربي الواسع، سوف يبقى دائماً في أحضان الغرب الذي يستطيع في أي وقت أن يستعمله كقاعدة للعمل ضد أي تهديد لمصالح الإمبراطورية البريطانية في مصر من ناحية أو في العراق من ناحية أخرى، كذلك فإن هذا الوطن القومي لليهود سوف يشغل العرب ويمتص طاقاتهم أولاً بأول» .
ويمكن النظر إلى مشروع شرق إفريقيا الذي أصدرته إنجلترا عام 1905 باعتباره وعداً بلفورياً سبق وعد بلفور.
وقد صدر وعد بلفور عام 1917 من إنجلترا، ولكن ألمانيا أصدرت وعداً آخر بعد ذلك التاريخ في (14) أغسطس 1918. وقد صدر هذا الوعد الألماني في محاولة يائسة لإغراء أعضاء الجماعات اليهودية للوقوف وراء ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان الوعد هزيلاً وضعيفاً للغاية فقد كانت ألمانيا حليفة للدولة العثمانية التي تقع فلسطين داخل نطاقها .
ومما يجدر ملاحظته أن كل الشخصيات التي كانت وراء إِصدار تلك الوعود معادية لليهود تود ترحيلهم من أوطانهم إلى أي مكان آخر. فسلوك نابليون تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في أوروبا لا يترك مجالاً للشك في شأن كرهه لهم، أما قيصر ألمانيا فقد كان يعتقد تماماً أن اليهود هم «قتلة المسيح» وأن الشعب الألماني لا يكن لهم سوى الكراهية. وكان فون بليفيه من أكثر الناس كرهاً لليهود، ومن المعروف أن كثيراً من الهجمات على أعضاء الجماعات اليهودية تمت بممالأة السلطات القيصرية حينما كان يعمل وزيراً للداخلية. أما بلفور فلم يكن يضمر كثيراً من الحب والاحترام لليهود. فقد اعترف هو نفسه لوايزمان بدوافعه المعادية لليهود. ولم يكن لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية التي أصدرت الوعد يكترث باليهود، بل إِنه استخدم في أحد الانتخابات التي أجريت بعد صدور الوعد عبارات معادية لليهود ضد أحد منافسيه .
من الواضح إذن أن الدافع وراء صدور الوعود الغربية لليهود ليس حب اليهود وإنما الرغبة في التخلص منهم وترحيلهم. ولكن أوروبا كانت حضارة نفعية مادية تتجاوز الحب والكره وتلتزم بأمر واحد: تحويل العالم إلى مادة استعمالية لا قداسة لها. وكان معظم الذين يصدرون الوعود يهدفون إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعهم وإلى تحويلهم إلى عملاء لهم، وقد كان نابليون مثلاً واضحاً على ذلك.
أما قيصر ألمانيا فكان أكثر وضوحاً فقد أورد في خطابه الذي أسلفنا الإِشارة إليه (وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول) مسوغات تعاونه مع اليهود وهي: محاولة إِفراغ ألمانيا من اليهود الموجودين فيها والاستفادة من رأس المال اليهودي.
ولم تكن دوافع فون بليفيه أقل وضوحاً، فالمشروع الصهيوني بالنسبة له هو إحدى الآليات التي تؤدي إلى تخفيف عدد اليهود المتزايد في روسيا وتحويل الشباب اليهودي عن الانضمام للحركات الثورية.
ولا يختلف وعد بلفور عن كل الوعود الغربية التي سبقته أو صدرت بعده، وفيما يتصل بالدوافع الكامنة وراء صدوره فيكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين كانت تريد توظيف اليهود في محاولتها التخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية المبرمة بين بريطانيا وفرنسا، فبعد أن تم عقد هذه الاتفاقية شعر البريطانيون بأن البنود المذكورة لا تخدم مصلحتهم كثيراً، وأنه لو قامت سيطرة فرنسية على فلسطين فإن الدفاع عن مصر وقناة السويس سيصبح أمراً محفوفاً بالمخاطر. ولذلك اتخذت وزارة الحرب من المشروع الصهيوني وسيلة للانسحاب بلباقة من الاتفاقية .
ومع أن تعديل اتفاقية سايكس ـ بيكو كان بلا شك هو السبب المباشر لإصدار الوعد، إلا أن «الإطار العام لمخططات الإِمبراطورية» كان هو الهدف الاستراتيجي النهائي الكامن. ويمكن التدليل على هذا بالعودة إلى المذكرة التي تقدم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 ووضح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هو الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. وكان الاحتمال الرابع هو «الإقامة المبكرة لدولة يهودية»، وتم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى سدس سكان فلسطين على الأرجح، «الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية» (بسبب مقاومة السكان الأصليين). وتضيف المذكرة أن «زعماء الحركة الصهيونية كانوا على إِدراك تام لهذه الاعتبارات».
ولهذا كان الاحتمال الخامس (إنشاء محمية بريطانية في فلسطين لفترة من الزمن ثم إِعلان الدولة الصهيونية بعد ذلك) هو الاحتمال الوحيد القابل للتحقيق. وفي مجال عرض مزايا هذا الاحتمال قالت المذكرة أن إعلان الحماية البريطانية سيقابل بالترحيب من قبل السكان الحاليين (أي الفلسطينيين) وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود. ولكن هذا الوضع ـ حسبما جاء في المذكرة ـ هو مجرد غطاء مؤقت لإعطاء فسحة من الوقت «للمنظمات اليهودية في ظل الحكم البريطاني لكي تقوم بابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، وللتعاون في الإِنماء الاقتصادي للبلاد، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد»، أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني.
والهدف من كل هذا كما جاء في المذكرة ليس أية دوافع إنسانية أو أخلاقية وإنما «إنشاء محمية تشكل ضماناً لسلامة مصر»، أي لسلامة المصالح الإِمبراطورية البريطانية، التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية آنذاك. ويشير صموئيل في المذكرة ـ وفي أماكن أخرى ـ إلى أنه بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها. كما ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا بحيث يؤلف اليهود كتلة متحيزة .
هذه هي الدوافع الحقيقية لصدور وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917، والذي جاء فيه أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وإنها ستبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف.
مما تقدم يتضح مدى الحماس البريطاني والاستعماري بشكل عام، لإقامة كيان غريب في أكثر المناطق حساسية وأهمية، وهي فلسطين.
ويمكننا مما تقدم أن نخلص إلى بعض الاستخلاصات أهمها:
1) حضارية الصراع بين الأمة الإسلامية من جهة والتحالف الاستعماري الصهيوني من جهة أخرى. فصراعنا صراع حضارات إما أن تكون حضارة الإسلام أو حضارة الغرب، وإن دور دولة اليهود واضح دون لبس، فهي مخلب الحضارة الغربية في المنطقة الإسلامية، للحفاظ على المنطقة ضعيفة مجزأة، واستنزاف ثرواتها، وتأمين استغلال الغرب لخيراتها .
2)إن بريطانيا والرأسمالية الغربية كانت تخشى من الهجرات اليهودية من شرق أوروبا، نتيجة لظروف الفقر والاضطهاد إلى غرب أوروبا، وهذا ما كانت ترفضه الدول الغربية، مما جعل حماس بريطانيا لنقل اليهود والتخلص منهم كبيراً.
3)إن بريطانيا كانت ترغب في استعمار فلسطين لما يمثله من موقع استراتيجي هام بالنسبة للمستعمرات البريطانية، وبعد الدراسة وجدت أن أرخص وسيلة لذلك هي إنشاء مستعمرة يهودية ترعى المصالح البريطانية، فهو استعمار بأقل تكاليف.
4)هناك علاقة دينية متميزة بين الشعوب المسيحية البروتستانتية والانجلكانية واليهود، أثرت بصورة فاعلة في توجيه القرار السياسي الاستعماري الغربي نحو المساعدة في إقامة دولة صهيونية في فلسطين.
5)حرصت بريطانيا والدول الغربية على إيجاد قومية غريبة عن المنطقة لتمثل الدولة الحاجزة، في أهم منطقة في العالم، أثبت التاريخ أن التحكم بها هو الطريق أمام السيطرة العالمية، فهي منبع الحضارات الإنسانية المختلفة، وهي مهبط أفئدة المؤمنين في شتى بقاع العالم.
6)إن المشروع الصهيوني، هو نتاج العقلية الاستعمارية الغربية، قبل أن يكون نتاج العقلية اليهودية، وأن الصهيونية لو لم يصادف وجودها وجود مثل هذا التوجه الاستعماري لما سار التاريخ في اتجاه إقامة كيان صهيوني في فلسطين، وهذا لا ينفي تطلعات يهودية، اتخذت شكلاً روحانياً دينياً للعودة إلى فلسطين حينما يأتي المسيح المخلّص.
الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية
وهكذا اكتملت الصهيونية فكراً وممارسة في حضن المعسكر الغربي، وخرجت من حيز الآمال الدينية والأفكار السياسية بل والمشاريع السياسية إلى حيز التنفيذ الفعلي بصدور وعد بلفور، أهم حدث في تاريخ الصهيونية. ولكن من الملاحظ أن الشخصيات الأساسية في تاريخ الفكر والممارسة الصهيونية (حتى نهاية القرن التاسع عشر) هي شخصيات غير يهودية (نابليون ـ شافتسبري ـ أوليفانت ـ ونستون تشرشل_ تشامبرلين ـ لويد جورج ـ بلفور… الخ). ويسمى اتجاههم الصهيوني «صهيونية الأغيار» (أي غير اليهود). وعلى عكس ما يتصور الكثيرون كانت «الصهيونية» التي وردت في مذكرة سير هربرت صموئيل صهيونية مسيحية قبل أن يقوم الصهاينة من اليهود بجهودهم المكثفة «للضغط» على الحكومة البريطانية لإِصدار وعد بلفور. بل ويلاحظ انصراف اليهود عن تأييد الحركة الصهيونية (لمدة طويلة حتى بعد صدور وعد بلفور) فقد اعترف وايزمان عام 1927 بأن وعد بلفور «كان مبنياً على الهواء»، وروى أنه في عام 1927 كان يرتعد خشية أن تسأله الحكومة البريطانية عن مدى تأييد اليهود للحركة الصهيونية، فقد كانت تعلم أن «اليهود ضدنا… كنا وحدنا نقف على جزيرة صغيرة، مجموعة صغيرة من اليهود لهم ماض أجنبي».
نشأة المنظمة الصهيونية وتطورها
أورد عبد الرحمن (1990) ما ذكره مصدر صهيوني بأن هناك خمسة عوامل رئيسة كان لا بد منها لتأسيس الكيان الصهيوني:
أولها الفكرة وثانيها الزعيم (أو القيادة المؤهلة، وثالثها الشعب أو (نخبة منه) ورابعها التنظيم الفعال، وخامسها البيئة الدولية الملائمة، ومما لا شك فيه أن جميع هذه العوامل توفرت، بدرجات متباينة وعلى نحو أسهم إسهاماً متفاوتاً في خلق (ولاحقاً بقاء) الكيان الصهيوني في ارض فلسطين.
فقد أسهم كل من الحاخام زفي هيرش فاليشر، وموزس هيس، وليوبنسكر، وتيودور هرتزل وغيرهم، في بلورة الفكرة الصهيونية في أوساط الجاليات اليهودية في أوروبا عبر تبنيه الحس القومي اليهودي واستغلال بعض الأحداث المعادية لليهود، ليشكلوا بذلك قناعة لدى نخبة من اليهود بان الخلاص من المأزق اليهودي إنما يتم بإنشاء دولة لهم، وأخذت هذه الفكرة تتأطر في اطر مؤمنة بها منذ عام 1882م عبر جمعيات أحباء صهيوني، إلى أن جاء هرتزل واستطاع جمع أشتات هذه الجمعيات تحت قيادته، وتأسيس إطار هيكلي وتنظيمي، ينظم تلك الأفكار والجهود في عمل مبرمج ومؤسسي عبر المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897م، لتكون بذلك الأداة التي نجحت في استثمار الأطماع الاستعمارية في الشرق الأوسط، والتماهي معها، باعتبار الحركة الصهيونية امتداداً طبيعياً لحضارة الغرب الاستعمارية في المنطقة.
عبرت الصهيونية عن نتاج الحراك الداخلي اليهودي متفاعلاً مع الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأوروبي، فأفرز ذلك التفاعل ما سمي المشروع الصهيوني في فلسطين، وقبل تبلور الفكرة الصهيونية المعبرة عن تطلعات اليهود بدولة قومية لهم، تنازع اليهود عدة اتجاهات أهمها:
1-انتظار المخلص هامشياح.
اعتبر أصحاب هذا التيار أن خلاص اليهود مما هم فيه من تشرذم ووضاعة لن يتم بفعل البشر، بل إن الإله يهوه سيرسل المسيح المنتظر لتحقيق الخلاص، ويزيح عن كاهل اليهود ما هم فيه من معاناة، وكانت هذه الفكرة هي المهيمنة على اليهود لقرون عديدة، يصبّرون بها أنفسهم، ويحتفظون من خلالها بقدر من الأمل، ويقف الحاخامات على رأس المنادين بهذه الفكرة، ولا يزال بعضهم ينتظر المخلص ليكمل ما بدأه اليهود والصهاينة.
2-حركة الاندماج:
ظهرت في القرن التاسع عشر حركة التنوير الهسكلا والتي تدعو إلى إعادة النظر في العادات والطقوس اليهودية، باعتبارها عائقاً عن الاندماج في المجتمعات الغربية، وفي ظل ازدياد موجة القومية في أوروبا، أدت محاولات الاندماجيين إلى اثر عكسي، حيث اصطدم اليهود بالفوارق الثقافية والعرقية والطبقية مع الأوروبيين، مما دفع في الاتجاه الآخر القاضي بأن اليهود لا بد أن يشكلوا قومية خاصة بهم كما هو حال الأوروبيين.
3-الهجرة:
نادى أصحاب هذا التيار بالهرب من المشاكل عبر الهجرة من أوروبا، التي تتسم شعوبها بالقومية والقبلية إلى مجتمعات ودول تشكلت عبر أشتات من الأعراق والشعوب، كما هو الحال في أمريكا وبعض دول أمريكا الجنوبية، كما هاجر البعض إلى فلسطين باعتبار الأمر متعلقاً بهجرة دينية وأقرب إلى الحج إلى الأرض المقدسة.
4- الاستيطان غير السياسي:
وتقف تبرعات أثرياء اليهود خلف هذه الهجرات الاستيطانية ولكنها هجرات لم تكن مرتبطة بمشروع صهيوني متكامل، بل اشرف عليه أثرياء يهود منهم البارون دي روتشيلد، والبارون مورس دي هيرش، وهذا الاخير هو الذي أنشأ الجمعية اليهودية للاستيطان عام 1891، وذلك كنوع من القربى الصدقة في إطار التطلعات الروحية اليهودية نحو فلسطين.
5- التمرد على الواقع (الثورة):
حيث رأى أصحاب هذا الرأي أن تغيير واقع أوروبا السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي هو الذي سيغير حال اليهود، ومن هنا جاء انضمام هؤلاء إلى الأحزاب الثورية الرافضة لعصبية القومية وعلى راس هذه الأحزاب الشيوعية، لذلك يلاحظ أن الثورة البلشفية ضمت العديد من اليهود في قيادتها.
كل ما تقدم من اتجاهات لدى اليهود لم تؤد إلى حل المسألة اليهودية، وخاصة بعد اشتداد موجة معاداة اليهود في روسيا وأوربا الشرقية، مما دفع اليهود إلى التماهي مع التيار السائد في أوروبا الدولة القومية، وبدأ أصحاب هذا التيار يدعون إلى فكرة أن اليهودية في جوهرها رابط قومي يجمع بين اليهود، وانه لن تحل مشكلات اليهود ويصبح لهم قيمة إلا بتأسيس دولة لهم، رافضين كل الاتجاهات السابقة في حل معضلة اليهود، باعتبارها حلولاً غير كافية للخروج من المأزق اليهودي، فكانت الصهيونية الحل القومي لذلك المأزق عبر تنمية الوعي العرقي والثقافي بين اليهود فتمخض عن ذلك فكر سياسي بدأ بالانتشار بين اليهود، وأدى بعد ذلك إلى إفراز إطار تنظيمي لتجسيد الفكرة الصهيونية سمي الحركة الصهيونية أو المنظمة الصهيونية العالمية .
المنظمة الصهيونية العالمية كانت أداة تجسيد المشروع الصهيوني، أي نقل الفكرة الاستيطانية من المجرد إلى الملموس، وبالتالي فهي صلة الوصل التنظيمية بين المضمون النظري للمشروع الصهيوني والتطبيق العملي له في الواقع، وإذ تميزت الفكرة الصهيونية الاسترجاعية بغيبتها من حيث منطلقاتها النظرية، فإن أداتها التنظيمية اتسمت بدرجة من التجريبية والواقعية والبراغماتية.
ولما كان المشروع الصهيوني تقليداً لحركات القومية الأوروبية، ومتأثراً بها، دون الاستناد إلى أساس موضوعي لذلك في الواقع القائم لدى انطلاقه، فقد بدأ بالفكرة وراح يروج لها عبر منظمة سياسية، دولياً ويهودياً، ويعمل على توفير مستلزمات تجسيد ذاته، بشرياً وجغرافياً.
وفي ظل الواقع القائم آنذاك، كان طبيعياً بالنسبة لهذا المشروع – خلافاً للحركات القومية التي أراد تقليدها – أن يبدأ من النهاية، إقامة السلطة (الحكومة) ومن ثم البحث عن مادته البشرية الاستيطانية وتجنيدها لهذه المهمة، والعمل على تأمين الرقعة الجغرافية التي سيقوم عليها، ومن هنا فالحركة الصهيونية تشبهت بالحركات القومية شكلاً إلا أنها اختلفت عنها مضموناً، حيث صاغت أداتها التنظيمية بما يشبه الحكومة ظاهراً، ويختلف عنها وظيفة، وبالتالي مغزى، حيث كان على الحركة الصهيونية أن تبني مقومات الكيان والدولة، من حيث الأرض والسكان والعلاقات قبل ان تمارس صلاحيات الحكومة فعلاً، إلا أنها شكلت أداتها السياسية، منذ البداية، واعتبرتها حكومة يهود العالم وراحت تعمل لانتزاع الاعتراف بها دولياً، وتكريس نفسها بهذه الصفة في التجمعات اليهودية، والبدء بتأسيس الكيان السياسي عبر الاستيطان في فلسطين.
هرتزل ونشأة المنظمة الصهيونية
الحركة الصهيونية كجسم سياسي منظم، هي من صنع اليهودي المجري ثيودور هرتزل (1860-1904)، حيث نشر كتابه الدولة اليهودية سنة 1896، وعرض فيه مفهومه لجذور المسألة اليهودية وبالتالي وجهة نظره في حلها، عبر إنشاء ما سماه امة يهودية مستقلة، على أرض تمتلكها.
ودعا لعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897م لتحقيق هذا الهدف، فكان ذلك المؤتمر اللبنة الأولى في بناء المنظمة الصهيونية،ومن خلالها اخذ يتحرك على صعيد الجاليات اليهودية في أوروبا، وعلى صعيد العلاقات مع الدول والحكومات، داعياً إلى مشروعه، وساعياً إلى تحقيق غطاء دولي لهذا المشروع معتبراً أن المسألة اليهودية هي قضية دولية على العالم كله وخاصة الدول الكبرى المساعدة في حلها، وهذه الرؤية سميت فيما بعد بتيار الصهيونية السياسية.
وقد أعلن هرتزل في المؤتمر الأول هدف منظمته بقوله: إننا نبغي وضع حجر الأساس للبيت الذي سيؤوي الأمة اليهودية…والصهيونية تسعى للحصول على وطن لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام الدولي، ويكون معترفاً به في العلن.
وعندما أسس هرتزل المنظمة الصهيونية بنى على الاطروحات النظرية لكل من ليو بنسكر (1822-1891) في كراسه (التحرر الذاتي) وناثان بيرنباوم (1863-1937) وكراسه (التحرر الذاتي) أيضاً، كما بنى على ما قامت جمعيات أحباء صهيون حيث عقدت ثلاث مؤتمرات لتنظيم عملها والهجرة إلى فلسطين، لكنها لم تفلح في صوغ منظمة موحدة فكرياً وعملياً، وعند انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول انضم إلى عضويته 260 اتحاداً من أحباء صهيون من جميع أنحاء أوروبا الشرقية والغربية.
وحيث فشل أحباء صهيون نجح هرتزل، الذي لم يُضف كثيراً إلى طروحات غيره النظرية لكنه تجاوز الجميع على الصعيد العملي، حيث تعامل مع المنظمة التي أسسها باعتبارها البرلمان اليهودي، وان لجنتها التنفيذية هي الحكومة اليهودية، رغم أنها كانت تفتقر إلى شرعية التفويض من الجاليات اليهودية، وعلاوة على المؤتمر كمنبر سياسي، دشن هرتزل الشيكل كتعبير عن العضوية في الحركة الصهيونية، وبالتالي المشاركة في أعمالها وانتخاب هيئاتها، التي تشبهت بأجهزة الحكومة، كما أسس صندوق الاستيطان اليهودي لتمويل مشاريعه، وأقام مطبعة رسمية، تصدر منشوراتها بلغات مختلفة للتعريف بمنظمته ونشاط مؤسساتها ولجنتها التنفيذية، وخصوصاً رئيسها، وكانت الجريدة الرسمية هي ذي فيلت (العالم)، وشكلت هذه الأمور وغيرها الغطاء لتأكيد هرتزل في مذكراته بشأن المؤتمر الصهيوني الأول، حيث قال: هنا أسست الدولة اليهودية.
ولعل الإنجاز الأكبر الذي حققه هرتزل هو عقد المؤتمر الصهيوني الأول، بما ترتب على ذلك من وضع برنامج سياسي، وصوغ الأسس التنظيمية للمؤتمر والهيئات المنبثقة منه، وإعلان انطلاق العمل الصهيوني، يهودياً ودولياً واستيطانياً، ومن ثم أصبح لدى المشروع الصهيوني برنامج سياسي وأداة تنظيمية وخطة عمل يومية.
وقد نشط هرتزل في محاولة للحصول على البراءة الدولية من الدول العظمى في تلك الفترة، ولا سيما موافقة الخلافة العثمانية إعطاءه فلسطين، إلا أنه فشل في تحقيق ذلك، ونظراً لما يتمتع به هرتزل من براغماتية فقد وافق على مشروع بريطاني بتوطين اليهود في أوغندا، إلا أن المؤتمر الصهيوني السادس رفض ذلك، وأخذت تيارات صهيونية متصاعدة تمثل تحدياً لرؤية هرتزل القائمة على الاعتراف الدولي (الصهيونية السياسية ) حيث برز تيار الصهيونية العملية التي نادت بتجسيد المشروع الصهيوني عبر الاستيطان وفرض الأمر الواقع على الدول العظمى، كما ظهر تيار الصهيونية الثقافية بقيادة آحاد هاعام والتي تعتبر أن مشكلة اليهود روحية ثقافية في المقام الأول.
توفي هرتزل عام 1904م دون الحصول على الوعد الذي أراد، إلا أنه استطاع أن يكرس المشروع الصهيوني باعتباره قضية عالمية، كما أن تفاوض الحكومات معه شكل نوعاً من الاعتراف الضمني بالمنظمة الصهيونية. كما استطاع حل بعض المشكلات الإجرائية والعملية في عدد من الدول الأوروبية بما سهل حركة وعمل أجهزة المنظمة وفي ذات الوقت فإن فشل هرتزل في تحقيقه البراءة الدولية أدى إلى تزايد المعارضة له في المنظمة الصهيونية، وإلى تبلور تيار صهيوني معارض له بوضوح في المؤتمر الصهيوني الخامس، حيث ظهر ما سمي الجناح الصهيوني الديمقراطي (الصهيونية العملية)، وقد تصاعدت الخلافات والتجاذبات في انتزاع موافقة مشروطة من المؤتمر للمشروع، وقد توفي هرتزل بعد المؤتمر السادس بأشهر قليلة ليترك وراءه تركة تحمل أعباءها نائبه (دافيد ولفسون) (1856-1914).
مسار المنظمة الصهيونية العالمية حتى قيام الكيان الصهيوني عام 1948م
المكتبة “أبحاث وتقارير” | 2008-08-02
انتخب ديفيد ولفسون (1856-1914) خلفاً لهرتزل خلال الفترة (1905-1911) وهو من مواليد ليتوانيا، لكنه استقر في ألمانيا منذ 1881 حيث أصبح رجل أعمال ناجحاً، وقد سار على خط سلفه بالتركيز على دعم دولي للمشروع، لكنه لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي تركه هرتزل. كما أن صعوبة الحصول رسمياً على الدعم المنشود قد أسهمت في بروز تيار “الصهيونية العملية”، والذي ظهرت بداياته منذ أيام هرتزل، والذي يركز أكثر على المبادرة العملية وبشتى الوسائل للهجرة والاستيطان في فلسطين، وبناء الحقائق على الأرض. كما ظهر حاييم وايزمن (1874-1952)، بأطروحته التوفيقية بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية، فدمج بين الخطين، حيث أعلن انه “يجب أن نتطلع إلى البراءة [الدعم الدولي]، لكن تطلعاتنا ستتحقق من خلال نشاطنا العملي في ارض “إسرائيل”. وسيراً في الاتجاه العملي فقد تمت الموافقة على اقتراح الصهيوني واربورج بتبني “سياسة التغلغل الاقتصادي”، المعتمد على العمل الصهيوني بصورة منظمة. وتأسيس مكتب فلسطين في يافا سنة 1908 ليتولى توجيه العمل الاستيطاني الزراعي، وأنشئت شركة تطوير أراضي فلسطين، كما بدأ إنشاء مدينة تل أبيب.
ويعد المؤتمر الصهيوني العاشر سنة 1911 نقطة تحول، إذ سيطر الصهيونيون العمليون على قيادة المنظمة وأجهزتها، وانتخب اوتو واربورج (1817-1937)، وهو ألماني رئيساً للمنظمة، واستمر رسمياً في رئاستها حتى عام 1921. وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914، استفاد الصهاينة من ضعف الدولة العثمانية، وتفشي الفساد الإداري فيها، ثم من انقلاب حركة الاتحاد والترقي (الممالئة لليهود والحركة الصهيونية) على السلطان عبد الحميد سنة 1908، فهاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1882-1914 نحو 55 ألف يهودي.
وقد أحدثت الحرب العالمية الأولى فوضى في الجهاز الإداري الصهيوني، حيث وجدت قيادات العمل ومؤسساته نفسها متوزعة على بلدان متحاربة، وكان مكتب قيادة الحركة الصهيونية في ألمانيا، حيث عول صهاينة وسط أوروبا على انتصارها في الحرب، واجروا مفاوضات معها، بدعوى الحصول على الدعم اليهودي والأمريكي. مقابل ضغطها على حليفتها الدولة العثمانية، لإقامة الوطن اليهودي في فلسطين. ولم تكن اللجنة التنفيذية المكونة أساساً من روس وألمان قادرة على العمل الجماعي، حيث كانت ألمانيا وروسيا دولتان متحاربتان. كما انقطعت صلة مكتب القيادة بروسيا والدولة العثمانية وباقي العالم الغربي. وتعرّض المشروع الصهيوني في فلسطين لهزة كبيرة مع ظهور دلائل متزايدة على ممالأة الصهيونية لبريطانيا وحلفائها ضد العثمانيين والألمان. ونقص عدد اليهود من 85 ألفاً سنة 1914 إلى 55 ألفاً سنة 1918.
وبينما فقدت قيادة المنظمة الصهيونية في ألمانيا فاعليتها، برز نجم الأستاذ الجامعي الروسي الأصل الدكتور حاييم وايزمن، الذي كان يقيم في بريطانيا، وقام بدور زعيم الأمر الواقع للمنظمة الصهيونية، ونصب مع رفاقه هناك لجنة سداسية انضم إليها اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية، وسعى إلى التفاوض مع بريطانيا لتبني المشروع الصهيوني مقابل دعم اليهود لها في الحرب، واستخدام نفوذهم في أمريكا لدفع الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا. كما برز في الوقت نفسه لويس برانديس (185-1941)، الذي قاد صهيونيي أمريكا. ومن خلال الدورين اللذين لعبهما وايزمن وبرنديس والتنسيق بينهما، نجحت المنظمة الصهيونية في استصدار وعد بلفور من بريطانيا، 2 نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي حظي بموافقة حلفاء بريطانيا في الحرب (الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلت الحرب في مارس 1917، وفرنسا وإيطاليا).
وقد توافق الاحتلال البريطاني لفلسطين (1918-1948) تقريباً مع زعامة وايزمن الفعلية للمنظمة الصهيونية (1921-1946). وقد بدأ المشروع الصهيوني يسترد عافيته وينطلق إلى آفاق أرحب، بعد أن حصل على البراءة الدولية التي كان يحلم بها هرتزل، وبعد أن توفرت الامكانات العملية للتنفيذ باحتلال بريطانيا – التي تبنت المشروع – لفلسطين، وبسقوط الدولة العثمانية. وقامت بريطانيا بحرمان أبناء فلسطين من حقوقهم السياسية، وبسحق ثوراتهم وانتفاضاتهم، وأدمجت وعد بلفور في صك انتدابها على فلسطين، والذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922، ليصبح التزاماً دولياً. كما فتحت بريطانيا أبواب الهجرة والاستيطان اليهودي وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية الصهيونية في فلسطين، وغضت الطرف عن التشكيلات العسكرية السرية لليهود، الذين أصبحوا عملياً دولة داخل دولة، وبذلك وضعت بريطانيا الكرة في الملعب الصهيوني، وأصبح الأمر يعتمد أساساً على قدرة الحركة الصهيونية على إقناع اليهود بالهجرة والاستيطان في فلسطين.
ولم تفوت الحركة الصهيونية الفرصة، فقد ذهبت لجنة صهيونية برئاسة وايزمن إلى فلسطين في أبريل 1918، وشكلت جهازاً إدارياً لليهود فيها، استوعب أمور السياسة والاستيطان، والإغاثة والزراعة والتجارة والصناعة والهجرة والمالية والتعليم والعمل. وفي مؤتمر لندن في يوليو 1920، أقر تعيين وايزمن رئيساً للمنظمة وقرر إنشاء مكتب مركزي للهجرة اليهودية، كما تقرر إنشاء الصندوق التأسيسي لفلسطين (الكيريت هايسود)، المختص بشؤون الهجرة والاستيطان والتعليم وإنشاء المؤسسات والمشاريع الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وفي المؤتمر الصهيوني الثاني عشر في سبتمبر 1921 تحولت زعامة وايزمن إلى زعامة رسمية، وبلغ عدد أعضاء المنظمة الصهيونية 770 ألفاً.
وكان صك الانتداب البريطاني على فلسطين قد أشار إلى إنشاء “وكالة يهودية” تمثل اليهود بشكل عام، وقامت المنظمة الصهيونية عملياً بدور الوكالة خلال 1922-1929. لكن الحركة الصهيونية أرادت أن تلائم نفسها مع صك الانتداب، بتشكيل وكالة يهودية موسعة تمثل اليهود من صهاينة وغير صهاينة، مما يهيئ لها فرصة قبول سياسي بريطاني ودولي أفضل. وقد رأت في ذلك فرصة لتوسيع دائرة نفوذها وتمثيلها لليهود في العالم بإدخال عناصر يهودية مؤثرة (غير منتمية تنظيمياً للحركة الصهيونية) في الوكالة، مما يؤدي إلى مشاركة هؤلاء في المشروع الصهيوني، فيصبحون عملياً صهيونيين وإن لم يكونوا أعضاء عاملين في المنظمة. ثم إن ذلك سيمكنها من امتصاص أية معارضة يهودية للحركة الصهيونية، فضلاً عن تجنيد أموال أثرياء اليهود من غير الأعضاء.
وبالفعل، فقد تم إنشاء الوكالة اليهودية الموسعة سنة 1929 بحيث تتم مناصفة مقاعد مجلس الوكالة (السلطة العليا للوكالة) واللجنة الإدارية (تقابل المجلس العام في المنظمة الصهيونية، واللجنة التنفيذية (تقابل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية)، بين المنظمة الصهيونية وبين اليهود غير المنتمين إليها. وقد حرصت المنظمة الصهيونية على ان تكون الوكالة أداة طيعة بيدها، عبر مجموعة من الإجراءات والقواعد التي ضمنت ذلك، فهناك مثلاً رئيس واحد للمنظمة وللوكالة، واللجنة التنفيذية للوكالة هي عملياً بيد أعضاء اللجنة التنفيذية الصهيونية. وأصبحت الإشارة إلى المنظمة الصهيونية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية خارج فلسطين، والإشارة إلى الوكالة اليهودية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية داخل فلسطين. ومن خلال إنشاء هذه الوكالة تم استقطاب عناصر يهودية شهيرة غير أعضاء في المنظمة، أمثال: البريطاني هربرت صمويل، والأمريكي لويس مارشال، وألبرت اينشتاين العالم الألماني الذي يحمل الجنسية الأمريكية وغيرهم. وقد كان الكثير من هؤلاء زعماء سياسيين ورجال أعمال وعلماء وأصحاب بنوك لم تمكنهم ظروفهم ومواقعهم من الانخراط في الحركة الصهيونية، كما لم يكن من السهل على الحركة استيعابهم في أطرها دون أن تتخلى قيادتها عن العديد من مواقعها لأمثال هؤلاء. ويبدو أن جل هؤلاء كانوا صهاينة قلباً وقالباً، لكن بقاءهم في مواقعهم كان استثماراً أفضل للمشروع الصهيوني. إذ إن جوهر الصهيونية هو دعم إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، وهو ما كان يفعله هؤلاء من منتمين وغير منتمين، وقد استمرت الوكالة مظلة صهيونية وأداة من أدواتها، وتزايد التداخل والانصهار بينهما حتى أصبحا مرة ثانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية تعبيرين لشيء واحد. وفي عام 1947 لم تعد المنظمة الصهيونية بحاجة للديكور اليهودي المتمثل بالوكالة فأصبحا عمليا شيئاً واحداً إلى أن أعيد تشكيل الوكالة سنة 1968.
وقد زادت عملية الهجرة والاستيطان المنظمة من قوة الجماعات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين، وأصبح لها تأثير اكبر على المنظمة الصهيونية العالمية وتحديد سياستها وتمكن التيار العمالي اليهودي بقيادة ديفيد بن جوريون (1886-1973) من فرض نفسه وتحقيق نفوذ واسع بين يهود فلسطين، وتكرّست قوة بن جوريون ورفاقه عندما انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية في المؤتمر 18 في 1933، كما أعيد انتخابه سنة 1935 حيث أصبح قطباً مركزياً فيها، وانتخب في 1937 رئيساً للجنة التنفيذية في فلسطين.
وقد كانت فترة منتصف الثلاثينات فترة ذهبية للهجرة اليهودية، إذ هاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1933- 1936 ما مجموعه 187671 يهودياً، وكان اخطر ما فيها هو نوعية المهاجرين، إذ توافقت تلك الفترة مع صعود النازية في المانيا، وتمكن هتلر من الوصول إلى الحكم. واستفادت الحركة الصهيونية من ذلك في دفع اليهود الألمان للهجرة إلى فلسطين، وعقدت مع هتلر اتفاقية سرية لترحيل اليهود “اتفاقية هعفاراه” سنة 1933، فهاجرت أعداد كبيرة من اليهود الألمان المتميزين من رجال الأعمال والأثرياء والعلماء في شتى التخصصات مما أعطى دفعة كبيرة للمشروع الصهيوني. ولولا أن الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 أعاقت هذه الهجرة لسنوات عديدة.
وقد تعرّض المشروع الصهيوني في فلسطين إلى الانتكاس عندما اضطرت بريطانيا في مايو 1939، تحت ضغط الثورة الفلسطينية إلى إصدار كتابها الأبيض، بالتعهد بالموافقة على إنشاء دولة فلسطينية خلال عشر سنوات، وتحديد الهجرة اليهودية في السنوات الخمس التالية لإصدار الكتاب الأبيض بـ 75 أ لفاً، وبمنع الهجرة بعد ذلك إلا بموافقة فلسطينية، وبوضع قيود مشددة على انتقال الأراضي لليهود.
ورغم أن يهود أوروبا عانوا كغيرهم من العرقيات والمجتمعات من السياسات الهتلرية النازية ضدهم خلال الحرب العالمية الثانية 1939-1945، إلا أن المشروع الصهيوني في فلسطين كان هو المستفيد الأول من ذلك، إذ إن المنظمة الصهيونية العالمية تابعت عملها بصورة فعالة، ووجدت في الاضطهاد النازي مبرراً ودافعاً قوياً للدعاية للمشروع الصهيوني في فلسطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































