حرب 1948م: معارك ربيع- صيف 1948م.
أسامة نور الدين
تعتبر معارك الفترة الممتدة ما يبن فبراير وحتى يونيو من العام 1948م بمثابة المعارك الرئيسية أو الحرب الرئيسية التي جرت وقائعها ما بين قوات المقاومة العربية الشعبية والعصابات الصهيونية فى فلسطين وكانت هذه المعارك معارك حرب شوارع حقيقية امتدت من منزل إلى منزل ومن حي إلى حي في مختلف مدن فلسطين وانتهت نتائجها بشكل متباين ما بين هزيمة للعرب في بعض المدن مثل “حيفا“ و“يافا“ وانتصارات أخرى حققها المقاتلون العرب كما جرى في “القدس الشرقية“.
وقد وضح منذ صدور قرار التقسيم رقم (181) في نوفمبر من العام 1947م أن العصابات الصهيونية في فلسطين ما هي إلا جيوش يهودية مدربة ومنظمة ومسلحة تسليحا جيدا وانتظمت في ثلاثة تنظيمات أساسية طبقا لما جاء في لجنة التحقيق الأنجلو- أمريكية التي شكلت في العام 1946م لدراسة الأوضاع الأمنية المتدهورة في فلسطين وهي:
1. منظمة الـ“هاجاناه“ وكانت مكونة من ثلاثة أقسام هي: سكان المستعمرات والمدن وعددهم 40 ألف مسلح و16 ألف شخص مدرب ومسلح ومتدرب هم إجمالي شرطة المستعمرات اليهودية ثم 6 آلاف شرطي آخر مدربين ومؤهلين بأسلحة خفيفة ومدفعية ووسائل نقل مصفحة وشكل هؤلاء فرقة الـ“بالماخ“ أو “الصاعقة“ وكانت الـ“هاجاناه“ هي القوة الحربية الأساسية اليهودية في فلسطين وقد اعترفت بها بريطانيا وكان يها إجمال نحو 62 ألف جندي.
2. عصابات “شتيرن“ وكان بها 300 إرهابي مسلح ومزودين بوسائل نقل.
3. مجموعة “الأرجون“ بزعامة “مناحيم بيجين“ وكانت تضم في حالة الطوارئ 6 آلاف شخص مدرب ومسلح.
وذلك خلافا لقوة الشرطة اليهودية التي كانت تابعة للإدارة البريطانية في فلسطين وكان يبلغ عددها نحو ألف شخص مدرب ومسلح مما يعني وصول عدد عناصر العصابات الصهيونية في فلسطين كمجمل عام إلى نحو 70 ألف عنصر تدعمهم بريطانيا . من أهم المعارك التي دارت ما بين المجاهدين الفلسطينيين والعصابات الصهيونية والتي تدخل فيها الجيش البريطاني لصالح اليهود معركة “حي مونتفيوري“ اليهودي بـ“القدس“ في 12 فبراير من العام 1948م ومعركة “بيت سوريك“ والتي حاربت فيها قوة عربية كان قوامها 55 عنصرا من بينهم القائد “عبد القادر الحسيني“ و“إبراهيم أبو دية“ و“عزمي الجاعوني“ و“فوزي القطب“ و“كامل عريقات“ حيث دافعوا عن قرية “بيت سوريك“ ضد قوات الـ“بالماخ“ والجيش البريطاني وانتهت معركة “بيت سوريك“ لصالح العرب ثم قصفوا بعدها مستعمرة “خمس“ اليهودية القريبة معتزمين مهاجمتها ولكن قوات البوليس البريطاني واليهودي استطاعت ردهم إلى “بيت سوريك“ العربية وكان ذلك في أواخر يناير من العام 1948م.
واستمر الحال على هذا المنوال في معارك أخرى من بينها معركة “بيت صفافا“ والتي كانت تقع على تل ذي أهمية خاصة كان يربط بين “القدس“ و“يافا“ و“تل أبيب“ كما كان يربط بين “القدس“ و“بيت لحم“ و“الخليل“ وقد هاجمها اليهود أكثر من مرة منذ أواخر العام 1947م وحتى 13 فبراير من العام 1948م حيث كانت تطل على مستعمرة “ميكور حاييم“ بمعاونة سرية بريطانية كان يقودها ضابط يدعى كولونيل “هاربر“ ونسفت أحياء القرية بكاملها بسبب خديعة بريطانية لسكانها العرب وكذلك كان الوضع أيضا في حي “القطمون“ في “القدس“ والذي كاد العرب أن يحتلوه لولا استعمال البريطانيين مدافع الهاون ضد المهاجمين العرب فقذفوا بهم إلى الوراء واستشهد عربي خلال المعركة.
وعندما تزايدت أعمال الإرهاب الصهيونية في فلسطين اضطر “جيش الجهاد المقدس“ وهو التنظيم العسكري الرئيسي للمقاومة الفلسطينية الشعبية والمتطوعين العرب في فلسطين إلى الرد على مثل هذه العمليات بنسف العديد من الأحياء والشوارع اليهودية خاصة في “القدس“ وقاد هذه العمليات شباب من مختلف أنحاء فلسطين وسوري واحد واثنان من أبناء شمال إفريقيا وهم “فوزي القطب“، “أبو محمد الدمير“، “محمد علي الكرد“، “عادل شرف“، “يعقوب أبو حليمة“، “ياسر شرف“، “خليل دكيرك“، “زيد غنيم“، “جواد الجاعوني“، “محمد الشرفا“، “يوسف الحايك“، “محمود عيسى“، “ناجي عيسى“، “عبودة غيث“، “محمود الحنيني“، “حلمي البرق“، “محمود العكاوي“، “عطا عثمان“، “ناجي مصطفى“، “كاظم صالح“، “داوود البيتوني“، “عبد الله الكرد“، الأديب الشامي “عبد القادر التونسي“، و“عبدا الرحمن السيلاوي“ وقد قامت هذه المجموعة بنسف الأحياء اليهودية الثلاثة الكبيرة في “القدس“ و“يافا“ وغيرها ومن بين ذلك حيي “هاسوليل“ و“مونتفيوري“ في “القدس“ وحي “بن يهودا“ في “يافا“ وسقط من اليهود مئات من القتلى والجرحى نتيجة هذه الأعمال مع هجرة الآلاف منهم إلى مناطق أخرى أكثر أمنا بالنسبة لهم فيما بلغت الخسائر في حي “بن يهودا“ وحده مليوني جنيه إسترليني .
ثم كانت العملية الكبرى المتمثلة في نسف “الوكالة اليهودية“ في 11 مارس من العام 1948م بسيارة مفخخة كان يقودها “أنطون داوود“ سائق سيارة القنصل الأمريكي العام بـ“القدس“ والذي كان يدعى “ن ميكاتي“ .
معارك رئيسية:
خلال المعارك الرئيسية التي جرت ما بين المقاومين العرب والفلسطينيين وبين العصابات الصهيونية المدعومة من الجيش البريطاني في فلسطين خلال الفترة من فبراير وحتى يونيو من العام 1948م عندما بدأت العمليات العسكرية الرئيسية في الحرب بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية كانت هناك معارك ذات بصمة كبيرة وأهمية عظيمة في نتائجها على مسار الحرب سواء لصالح أو لغير صالح العرب في فلسطين وهي:
1. معركة “القسطل“.
2. معركة “يافا“.
3. معركة “حيفا“.
4. معركة “صفد“.
5. معركة “عكا“.
6. معركة “رأس العين“.
وانتهت هذه المعارك نهايات مختلفة وإن كانت في غالبيتها لغير صالح المجاهدين العرب بسبب أساسي ويتمثل ضعف التسليح وعدم قيام “اللجنة العسكرية“ التابعة لـ“جامعة الدول العربية“ بالواجبات التي كانت منوطة بها من جمع وتوريد السلاح.
1. معركة “القسطل“..؛
في 3 أبريل من العام 1948م استطاعت العصابات الصهيونية التغلب على 50 مناضلا عربيا من أبناء بلدة “القسطل“ مستهدفين فتح الطريق إلى “القدس“ الجديدة التي كان العرب قد أحكموا حصار أحيائها اليهودية ومنعوا وصول الإمدادات إليها وبعد سقوط “القسطل“ تجمع من العرب حوالي 300 مجاهد وجماعات من القرى العربية بقيادة “صبحي أبو جبارة“ ومجموعة أخرى من قوات “الجهاد المقدس“ بقيادة “كامل عريقات“ وجماعة من “القطمون“ كان يقودها “إبراهيم أبو دية“ وجماعة من “بيت صفافا“ يرافقها المحامي “أنور نسيبة“ وآخرون من “القدس“ كان يقودهم “حافظ بركات“ ومجموعة اخرى من “عين كارم“ ترأسها “خالد عنون“ وأخيرا مجموعة صغيرة بقيادة “عبد الفتاح درويش“ وابتدأت المعركة إثر هجوم رتبه العرب في 4 أبريل من العام 1948م إلا أنهم خسروا بضعة شهداء وقتلوا عددا كبار من اليهود لكنهم لم يستطيعوا استرداد “القسطل“ نفسها.
واستمرت المعركة طيلة يومي الخامس والسادس ولكن النتيجة لم تتغير مع قوة تسليح وتدريب العناصر اليهودية المدافعة وقد حاول قادة “جيش الجهاد المقدس“ الحصول على الإمدادات من ذخيرة ورجال وعتاد مسلح بعد أن أوشكت ذخائرهم على النفاد بحلول اليوم السادس من أبريل وكان التحرك الرئيسي في هذا الصدد باتجاهين اتجاه قاده “عارف العارف“ وأثبتها في مذكراته وكان الأول باتجاه الجيش العربي الأردني الذي كان مرابطا في “رام الله“ ولكن محاولته باءت بالفشل حيث رفض كل من “جلوب“ باشا القائد العام للجيش الأردني و“أحمد صدقي الجندي“ قائد اللواء الأردني الرابع دعم العرب المهاجمين المتواجدين حول “القسطل“.
المحاولة الثانية قادها القائد “عبد القادر الحسيني“ بنفسه حيث ذهب إلى دمشق لمقابلة قادة “اللجنة العسكرية العربية“ وعلى رأسهم اللواء “طه الهاشمي“ وعدد آخر من ضباط وزارة الدفاع السورية وطلب منهم إمداده بالسلاح إلا أن الهاشمي رفض ومع رفضه اتهمه الحسيني وأعضاء اللجنة الآخرين بأنهم مجموعة من الخونة وقال لهم: “أنتم خائنون.. أنتم مجرمون، سيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين، سأحتل القسطل وأموت أنا وجميع إخواني المجاهدين“.
وخلال نحو عشرين ساعة كان “عبد القادر الحسيني“ قد عاد إلى “القدس“ ومعه أركان حربه “قاسم الريماوي“ وقام بمحاولة أخيرة لإعادة تنظيم قواته الضئيلة إلى مجموعات وتوزيع مهامها على النحو التالي: “إبراهيم أبو دية“ يقود فصيلتين في القلب و“حافظ بركات“ كقائد لميمنة الهجوم ثم الفريق من بدو “هارون بن جازي“ في الميسرة ثم أبقى فرقة صغيرة كان يقودها “صبحي أبو جبارة“ وأخرى يقودها الشيخ “عبد الفتاح المزرعاوي“ كاحتياطي في المنطقة القريبة ثم بدأ الهجوم في منتصف ليل 7 أبريل 1948م ولكن النتيجة كانت محددة سلفا مع ضعف تسليح العرب وقلة عدد المهاجمين مقابل كثرة القوة الصهيونية المدافعة عن “القسطل“ وارتفاع مستوى تسليحها.
ورغم هذه الظروف فقد استطاعت مجموعات من أبناء القرى المجاورة و“جيش الإنقاذ“ و“جيش الجهاد المقدس“ أن تجمع نفسها وتدعم قوات “عبد القادر الحسيني“ القليلة واستطاعوا أن يدخلوا “القسطل“ بالفعل منتصرين بعد سقوط 350 من اليهود قتلى إلا أن صبيحة يوم 8 ابريل شهدت مفاجأة محزنة وهي استشهاد القائد “عبد القادر الحسيني“ ورغم أن العرب كانوا منتصرين في ذلك الوقت إلا أن صدمة استشهاد الحسيني جعلتهم لا يأخذون جانب الحذر فتركوا حامية صغيرة من أربعين مقاتلا في المدينة وذهب الباقون لاشتراك في جنازة الحسيني.
في ذلك الحين عادت القوات الصهيونية إلى الهجوم مجددا على المدينة حتى سقطت في أيديهم في صباح اليوم التالي 9 أبريل بعد تباطؤ جماعة من “جيش الإنقاذ“ كانت خليطا من السوريين والعراقيين لنجدة المدافعين العرب المحاصرين في المدينة حيث لم يصلوا إليها قبيل الليل كما كان مفترضا وقضوا ليلتهم في “عين كارم“ بينما لم يوجد مكانا أمام الحامية الصغيرة في “القسطل“ للدفاع عنها.
على هذا النحو فقد أفرزت معركة “القسطل“ والمعارك التي سبقتها مجموعة من القادة العرب والفلسطينيين البارزين من بينهم “سعيد العاص“ الذي كان قائد منطقة “بيت لحم“ والشيخ “عبد الحفيظ أبو الفيلات“ قائد منطقة “الخليل“ والشيخ “حسن سلامة“ قائد منطقة “اللد“ و“الرملة“و“خليل أبو لبن“ قائد منطقة “يافا“ و“عبد الرحيم الحاج محمد“ قائد منطقة “طولكرم“ و“عارف عبد الرزاق“ قائد منطقة “الطيبة“ والشيخ “يوسف أبو درة“ قائد منطقة “حيفا“ و“محمد الصالح أبو خالد“ قائد منطقة “السيلة“ و“سرور برهم“ “وعبد الله الأصبح“ وغيرهم.
2. معركة “يافا“.
كانت مدينة “يافا“ في العام 1947م مدينة عربية كبيرة ذات ميناء مزدهر على ساحل البحر المتوسط عرفت بنشاطها التجاري والثقافي وبأنها مركز من مراكز النقل العربي بالمنطقة وكانت من أغنى مدن فلسطين وأشهرها بتجارة البرتقال.
وقد أنشأ اليهود في “يافا“ حيا صغيرا أسموه “تل أبيب“ وذلك في العهد العثماني ولم يتمكنوا من توسيعه آنذاك وبقي صغيرا حتى جاء الانتداب البريطاني فنما وازدهر وبدأ يأخذ شكل المدينة وبعد أن كان يضم 150 منزلا في العام 1914م أصبح يضم 2000 منزل في العام 1922م تحت الحماية البريطانية وما كاد العام 1947م يجيء حتى كانت “تل أبيب“ تضم 23 ألف منزلا و200 ألف ساكنا من اليهود الذين بذلوا جهدهم واستولوا على الكثير من الأراضي التي تحد مدينة “يافا“ من كثير من الجهات فأنشأوا مستعمراتهم في “بيت فيجان“ و“هاتكفاه“ و“ريشون“ و“لوزيون“ و“ميكافاه إسرائيل“.
وحينما بدأت الحرب الفعلية مع اليهود مرت المعارك في المدينة بمرحلتين مهمتين الأولى من مطلع ديسمبر 1947م إلى منتصف فبراير 1948م وتولى العمل فيها ضد اليهود سكانها وبعض المقاتلين الفلسطينيين من المدن الأخرى أما المرحلة الثانية فقد بدأت مع دخول جماعات “جيش الإنقاذ العربي“ في أواسط فبراير من ذلك العام حيث اشترك قسم من هذا الجيش مع سكان المدينة في مهاجمة اليهود داخل وخارج مستعمراتهم.
وكانت أول معركة تقع بين الطرفين في 3 ديسمبر 1947م حيث وقعت اشتباكات عنيفة في منطقة الحدود بين العرب واليهود بين “يافا“ و“تل أبيب“ استخدم خلالها الفريقان الرصاص والقنابل اليدوية واستمرت لعدة ساعات قتل وجرح خلالها من العرب 29 مجاهدا ولم تعرف خسائر اليهود بالتفصيل ولكن أحد كبار ضباط الـ“هاجاناه“ وكان يدعى “ميشيل نيومان“ كان من بين القتلى واستمر القتال بين العرب واليهود خلال الأيام التالية وقام العرب خلاله بإحراق الأحياء اليهودية التي كانت موجودة في “يافا“ وبلغ عدد القتلى من الجانبين في هذه الأيام 41 من بينهم 28 يهوديا مع إصابة 150 بجراح.
وعندما اتضح في مايو 1948م أن الأمور تتجه إلى غير صالح العرب في فلسطين كلها مع اتجاه الأوضاع العسكرية إلى مزيد من الصعوبات قام سكان “يافا“ وكان عددهم 60 ألف عربيا بتأليف 7 لجان لمواجهة حالة الحرب وهي: “اللجنة الاقتصادية“ و“اللجنة الدفاعية“ وثلاث لجان للصحة والإدارة المحلية والتراخيص و“لجنة السلاح والألغام“ ولجنة للإمداد والتمويل وكانت اللجان العسكرية بالذات من أصعب أماكن العمل في “يافا“ في ذلك الوقت حيث استشهد الكثير من عناصرها أثناء العمليات أو أثناء إعداد المتفجرات والألغام ومن بينهم المهندس الكيماوي “سليم دمياطي“ والقائد “فيصل الطاهر“ ورغم هذه الظروف إلا أنهم استطاعوا توفير الأموال اللازمة عن طريق “بيت المال“ التابع لـ“اللجنة العربية العليا“ والاستدانة من “البنك العربي“ مع فرض ضرائب محلية لشراء السلاح ودعم عائلات الشهداء وإطعام أهالي المدينة.
المزيد