ملف خاص: الصهيونية … تاريخها. سياستها. واقعها

تشرين الثاني 17th, 2008 كتبها حسن عزت نشر في , دراسات

يشكل المشروع الصهيوني المتجسد على ارض فلسطين ا لتحدي الأبرز والأخطر لواقع ومستقبل الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، فقد استطاعت الحركة الصهيونية بالتحالف مع الاستعمار الغربي تحويل الأساطير والأوهام إلى واقع ماثل يمارس الإرهاب والعدوان على الشعب الفلسطيني وأجزاء من الشعوب العربية، ليقف شاهداً مريعاً على انحطاط قيم العدالة والحرية في عالم تحكمه المادة والمصالح، كما يدل بصورة قاطعة على الهوان والتشرذم الذي وصلت إليه الأمة العربية والإسلامية في مواجهة أعدائها الصهاينة ومن خلفهم.
وقد تعددت الرؤى والاجتهادات في فهم ظاهرة الحركة الصهيونية حسب اختلاف المناهج وزوايا النظر، فالبعض ينظر إليها باعتبارها إفرازاً من إفرازات الاستعمار الغربي وأداة من أدواته، والبعض يرى فيها وسيلة يهودية – أوروبية لحل المشكلة اليهودية في العالم المسيحي الأمريكي، والبعض يراها تعبيراً عن الأماني الدينية أو القومية أو الثقافية الدينية اليهودية، ونتاجاً للحراك الداخلي في الجاليات اليهودية في أوروبا، في سياق التطور الحضاري والمدني الأوروبي الاجتماعي والاقتصادي، وهناك من يراها من زاوية دينية بحتة فالصهيونية ببساطة هي اليهودية نفسها بما تكنه من عداوة وبغضاء للذين آمنوا، ولعل جميع الرؤى والتفسيرات تلقي الضوء على زاوية من طبيعة هذا المشروع الاستيطاني الاحلالي على ارض فلسطين، وجميعها تحمل على الأقل جزءاً من الحقيقة حول هذا المشروع وطبيعته ومنطلقاته وظروف نشأته وتطوره وصولاً إلى تجسيده.

الخلفيات التاريخية والاجتماعية والسياسية لنشأة الحركة الصهيونية

الخلفية التاريخية للحركة الصهيونية

بلا شك فإن أية ظاهرة سياسية أو اجتماعية إنما هي وليدة مجموعة من العوامل المتفاعلة داخل إطار المجتمع الذي نشأت فيه، وإذ أننا أمام ظاهرة نشأت وتفاعلت مع المجتمع الأوروبي، وتأثرت بالحركات الدينية والسياسية  والاقتصادية الأوروبية، ترافقت مع تحولات ثقافية وقيمية وتنظيمية في الجاليات اليهودية داخل أوروبا، مما أدى إلى توفر الظروف الملائمة لنشأة الحركة الصهيونية، وتدشين العمل للمشروع الصهيوني في فلسطين، فمن المعلوم بأن الغالبية الساحقة ليهود العالم عند نهاية القرن التاسع عشر كانت توجد في العالم الغربي وخاصة أوروبا، ومن ثم فإنهم جزء من تاريخ العالم الغربي، ومن ثم فإن الصهيونية إحدى ثمار حركيات وآليات المجتمعات التي ينتمي لها هؤلاء اليهود الصهاينة.

ولاستعراض الخلفيات التاريخية السياسية الاجتماعية والاقتصادية التي شملت الأرضية لانطلاق المشروع الصهيوني، لا بد من تناوله من زاويتين، زاوية التطورات في المجتمع الأوروبي، وزاوية التطورات في التجمعات اليهودية في أوروبا.

أولاً: التطورات على الصعيد الأوربي :

فقد شهدت أوروبا ابتداءً من القرن السادس عشر ما يسمى (الانقلاب التجاري) إذ بدأ العمل التجاري الذي كان هامشياً في الهيمنة على الاقتصاد الزراعي الإقطاعي وأعاد صياغة الإنتاج وتوجيهه بحيث خرج به عن نطاق الاكتفاء الذاتي وسدّ الحاجة، وبدأ التجار يلعبون دوراً هاماً في توجيه سياسات الحكومات.

وواكب هذا حركة الإصلاح الديني التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدس عند النصارى، بحيث أصبح بإمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون الحاجة إلى رجال الدين، ونجم عن ذلك المذهب البروتستانتي الذي مهد لاعتماد العهد القديم(التوراة) باعتباره جزءاً من الاعتقاد المسيحي، والذي أسس بدوره لعلاقة ذات نمط وإطار جديد للعلاقة بين المسيحية واليهودية، والتي كانت تتسم بالعداء والتوتر، والتقت بذلك العقيدة الاسترجاعية للطرفين ولكن كل من زاويته الخاصة، وكانت نقطة الالتقاء الأساسية هي إقامة كيان ودولة لليهود في فلسطين.

نتج عن هذه الانقلابات التجارية والصناعية والسياسية والدينية نتائج كثيرة متنوعة تتفاوت في أهميتها. ولكن أهمها، من منظور دراسة الحركة الصهيونية، النتائج التالية:

1) ساهم الإِصلاح الديني وظهور النزعة الإِنسانية (Humanism) في تفجير طاقات الإِنسان الغربي ورغباته وشهواته، وظهور ما سُميّت بـ (المسألة الغربية)، أي حاجة الإنسان الغربية (الشرهة) إلى المواد الخام والأسواق والأراضي التي تصلح لتوطين الفائض البشري.

2) نظراً لاتساع نفوذ أوروبا (ولأسباب أخرى) دخلت الخلافة العثمانية مرحلة الأزمة وأصبح سقوطها وشيكاً. وظهرت مشكلة تقسيم تركة رجل أوروبا المريض وهذا ما يطلق عليه (المسألة الشرقية).

3)  أدت الثورة التجارية الصناعية والنزعة القومية في أوروبا، إلى ظهور ما يسمى بـ مسألة اليهودية:

أ- تضاءل دور اليهود، بعد فقدان المرابي اليهودي التقليدي لدوره، وظهور النظام الاقتصادي والمالي الحديث.

ب- بعد تعاظم الوجود اليهودي في روسيا بعد ضم أجزاء من بولندا إليها، حيث كانت تعيش اكبر جالية يهودية، ونظراً لظهور النزعة القومية المتعصبة، والتي ترى أن المجتمع يقوم على وحدة الدم والأرض، ومشاركة فتاة يهودية في محاولة اغتيال القيصر، صدرت العديد من القوانين التي تقيد حياة اليهود كأقلية متآمرة، غريبة عن الدين والقومية الروسية، مما عرضها للاضطهاد وخاصة بعد صدور قوانين عام 1882 الخاصة باليهود.

ت- انعزال اليهود عن المجتمعات الأوروبية، وتحدثهم اليديشية في وسط سلافي، وعقلية الجيتو الانعزالية التي تتسم بثنائية حادة تقسم العالم إلى يهود (أخيار) وأغيار (أشرار)، عزز الرغبة المتبادلة لليهود والأوروبيين لتغيير الواقع القائم بحل المسألة اليهودية والغربية، على حساب الشرق.

ث- رغم أن أوروبا أصبحت طاردة للوجود اليهودي، ورغم الهجرة الواسعة من أوروبا الشرقية إلى أمريكا، إلا أن الزيادة السكانية لليهود كانت الأعلى في أوروبا، لهذا لم تحد موجات الهجرة هذه من الأعداد الكبيرة لليهود فيها.

ج- اندلعت موجات من معاداة الأقليات في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر، نتيجة للخطاب والرؤية الاستعمارية للأوروبيين، ورغم أن العنصرية الغربية كانت موجهة بالدرجة الأولى ضد شعوب آسيا وإفريقيا (السوداء والصفراء والملونة) إلا أن الأقليات الأوروبية نالها نصيب وافر من العنصرية مثل الإيطاليين، والبريتون في فرنسا، والكاثوليك في دولة بروتستانتية مثل ألمانيا، والغجر في كل أنحاء أوروبا، وقد نال بعض أعضاء الجماعات اليهودية نصيب من هذه العنصرية باعتبارهم قتلة المسيح وأعضاء جماعة غير مرغوب فيها.

4) نظرة الأوروبيين لليهود باعتبارهم كتلة سكانية ذات خصائص مميزة يمكن توظيفها بما يخدم الأهداف الاستعمارية الأوروبية، وهي نظرة تكرست عبر أجيال وثقافة الأوروبيين الدينية والاجتماعية، ويمكن تصنيف هذه النظرة إلى مفهومين رئيسين هما:

أ‌- الشعب العضوي:

هو شعب يرتبط أعضاؤه فيما بينهم وبأرضهم بأواصر عضوية لا يمكنهم الفكاك منها. فقد نظرت الحضارة الغربية إلى اليهود لا باعتبارهم مجرد أقلية أو جماعة دينية، وإنما باعتبارهم أعضاء في شعب عضوي له صفاته الخاصة، المقصورة عليه، وبعض هذه الصفات إيجابية ولكن معظمها ـ في المنظور الغربي ـ سلبي ومن أهمها أن اليهود يرتبطون عضوياً بفلسطين، ومن ثم فهم لا ينتمون إلى التشكيل الحضاري الغربي ويقفون على هامش التاريخ الغربي، ويشكلون عناصر طفيلية لا جذور لها. وقد نظر العالم الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم وسيلة لا غاية، ففي الصياغة الدينية الكاثوليكية يعتبر اليهود شعباً شاهداً تدل ضعته وتدنيه على عظمة الكنيسة وانتصارها. والصياغة البروتستانتية تعتبر اليهود عنصراً ضرورياً في عملية الخلاص التي لا يمكن أن تتم إلا بإرجاعهم إلى فلسطين وتنصيرهم، (وهذا ما يسمى «العقيدة الاسترجاعية»). ولا تختلف الصياغة العلمانية اللادينية كثيراً عن ذلك. إِذ ينظر الغرب لليهود على أنهم عنصر يمكن استخدامه في المشاريع التجارية والاستيطانية لما لهم من قدرات تجارية خاصة، فهم مادة بشرية يمكن توظيفها لصالح الغرب.

ب‌- الجماعة الوظيفية

 هي مجموعة من البشر يستورد أعضاؤها من الخارج ليضطلعوا بوظيفة محددة، إما لأنها مشينة (البغاء)، أو متميزة (القتال) أو صعبة ولا يمكن أن يقوم بها أعضاء المجتمع (الاستيطان)، أو مهمة وحساسة (الوظائف الأمنية). ويدخل المجتمع المضيف مع أعضاء الجماعة الوظيفية في علاقة تعاقدية، يصبحوا بمقتضاها شخصيات وظيفية نافعة تعرف في إِطار وظيفتها لا في إِطار إِنسانيتها المتعينة، فهم وسيلة لا غاية. وقد شغل أعضاء الجماعات اليهودية دور الجماعة الوظيفية في الحضارة الغربية فاشتغلوا بالربا والتجارة. وعادة ما يظل وضع الجماعة الوظيفية مستقراً حتى يكون المجتمع في حاجة إِليها. ولكن يختلف الوضع تماماً حينما تطرأ تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تجعل المجتمع أقل احتياجاً للجماعة الوظيفية، أو في غنى عنها تماماً، فيتحول أعضاء الجماعة من جماعة هامشية إلى جماعة منبوذة.

تبلور الفكر الصهيوني في الفكر والسياسة الغربية

هذا هو الإِطار العام لمولد الصهيونية كفكر وممارسة، وقد ظهرت الفكرة أول ما ظهرت في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر (ويطلق على هذه النزعة اسم الصهيونية المسيحية، وهي تمارس الآن بعثاً جديداً في الولايات المتحدة وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية «الأصولية» المتطرفة). ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء العلمانيين، تنادي بإِعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ، وتطورت الفكرة لتتجاوز الهامشية والضبابية، ولتتحول إلى فكرة مركزية في الوجدان السياسي الغربي.

فمن المعلوم أن اليهود في معظم تاريخهم لم يرتبط وجودهم بإطار جغرافي محدد، وبالتالي فالأرض لم تكن تمثل جزءاً من هويتهم الحضارية، بالنظر إلى تعدد المراكز الجغرافية التي أقام فيها اليهود - إذا استثنينا الفترة التي أقام اليهود فيها في فلسطين- ولذلك فإن الحديث عن الشخصية اليهودية بين الأقليات اليهودية، المبعثرة في كل أنحاء العالم، والتي تخضع لمؤثرات مختلفة، أمر ليس باليسير.

إن للحضارة الغربية بوجه خاص، أثر كبير في صياغة أفكار وفلسفة الحركة الصهيونية، إذ إن الأخيرة قد نشأت في أوروبا، وكانت تعبيراً عن محصلة الأفكار والفلسفات الاجتماعية والسياسية المنتشرة في القرن الثامن والتاسع عشر، ولا ننفي بذلك الخصوصية المتمثلة بالتراث الثقافي اليهودي، ولكن الذي نميل إليه أن الصهيونية كحركة سياسية استعمارية، تم صياغة أفكارها بشأن القومية اليهودية واستعمار فلسطين، كنتاج للمناخ الاستعماري الذي ميز السياسات الغربية في القرن التاسع عشر.

 

ولقد أثبت التاريخ أن معظم اليهود لم يقصدوا فلسطين في هجراتهم، على الرغم من أن أبواب فلسطين كانت مفتوحة لهم وإنما كانت وجهة الغالبية منهم العالم الجديد بحثاً عن الثروة والذهب، وما كان للروابط الروحية المزعومة بفلسطين أن تتحول إلى حركة صهيونية تعمل على إقامة كيان لليهود، إلا بفعل المخطط الاستعماري الغربي الذي كان يقصد استغلال المنطقة العربية والتي تعتبر من الناحية الاستراتيجية بوابة أوروبا على آسيا فضلاً عن غناها بالموارد الطبيعية.

ويمكن القول بأن عملية بلورة منظومة الفكر الصهيوني غربياً تمت على يد كل من اللورد شافتسبري (1801 ـ 1885) والسير لورانس أوليفانت (1829 ـ 1889).

واللورد شافتسبري هو واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، فقد كان يعد أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وكان بالإِضافة إلى ذلك فهو شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين الذين كانوا يحاولون تنصير اليهود، ولذا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في تفكيره، ومحط اهتمامه الشديد. وموقف شافتسبري من اليهود موقف صهيوني نموذجي:

1) كان شافتسبري يخلط بين العناصر الاجتماعية والدينية والتاريخية، ويتداخل في عقله الوقت الحاضر بالزمان الغابر بالتاريخ التوراتي. ولذا، فقد كان يرى اليهود باعتبارهم شعباً مستقلاً وجنساً عبرياً يتمتع باستمرارية لم تنقطع، أي أنه يدور في إطار فكرة التاريخ اليهودي.

2) لكن اليهود في التراث المسيحي هم قتلة المسيح، ولذا نجد صورتهم سلبية في كتابات شافتسبري، فهم جنس «من الغرباء»، «متعجرفون، سود القلوب، منغمسون في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل». وليسوا سوى «خطأ جماعياً»، وينبغي عليهم العودة إلى الإيمان بالمسيح حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى عودة المسيح الثانية وخلاص البشر.

3) انطلاقاً من هذا الخليط الفريد من الأطروحات السياسية والدينية والعرقية عارض شافتسبري منح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية.

4) ومع هذا لاحظ شافتسبري أن هذا الشعب يمكن توظيفه في خدمة الإِمبراطورية الإنجليزية للأسباب التالية:

أ‌- اليهود مادة استيطانية جيدة «فهو جنس معروف بمهارته ومثابرته الفائقة، ويستطيع أعضاؤه العيش في غبطة وسعادة على أقل شيء، فهم قد ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة».

ب‌- اليهود مشهورون بحب المال والجشع والبخل وعندهم رؤوس أموال.

ت‌- لاحظ شافتسبري أن ثمة علاقة بين هذا الشعب وبقعة جغرافية محددة هي فلسطين، فبعثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك، كما أن وجودهم في هذه البقعة يمثل ـ كما تقدم ـ عنصراً حيوياً في الرؤية المسيحية للخلاص. وكما قال: «إن أي شعب لا بد أن يكون له وطن. الأرض القديمة للشعب القديم». ثم طور هذا الشعار ليصبح «وطن بلا شعب، لشعب بلا وطن».

ث‌- كما لاحظ شافتسبري أهمية سوريا (وضمنها فلسطين) لإنجلترا ومدى حاجتها «لإِسفين بريطاني هناك».

هنا يصل شافتسبري إلى النتيجة المنطقية لمقدماته وهو أنه بوسع اليهود القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، «فعودتهم لاستعمار فلسطين أرخص الطرق وأكثرها أمنا للوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يعرضوا أحداً ـ سوى أنفسهم ـ للخطر». وسيعود هذا بالفائدة لا على إنجلترا بمفردها وإنما على العالم المتمدن (أي الغربي) بأسره.

وعلى الرغم من أن هذه الأفكار طرحت قبل عشرين سنة من ميلاد هرتزل فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، ولا سيما فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية في خدمة هذه المجتمعات عن طريق نقلهم. وقد لاحظ الصهيوني الروسي سوكولوف ـ بحق ـ أوجه تشابه بين كتابات شافتسبري وبرنامج بازل.

ويلاحظ أن شافتسبري لم يكتف بالصياغات النظرية الصهيونية بل لعب دوراً نشطاً وفعالاً، فكان يكتب المذكرات التفصيلية المحددة لبالمرستون. ومن المعروف  أن أول قنصلية إنجليزية في القدس تم افتتاحها نتيجة لإِلحاحه وبناء على توجيه منه، كما أنه ترأس صندوق استكشاف فلسطين الذي قام أعضاؤه بكتابة الدراسات المكثفة عن آثار فلسطين من منظور إِنجيلي استرجاعي. وعلى الرغم من أن شافتسبري كان يستخدم صياغات تبشيرية واضحة فإِنه كان مدركاً لضرورة تأكيد الأبعاد الجغرافية والسياسية والنفعية لمشروعه حتى يلقى قبولاً لدى صانع القرار الغربي.

أما الشخصية الثانية المهمة فهو سير لورانس أوليفانت صديق لورد شافتسبري الذي عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بعض الوقت في الشؤون الهندية، وكان عضواً في البرلمان الإنجليزي. وينطلق أوليفانت ـ شأنه شأن معظم الصهاينة ـ من فكرة الشعب العضوي المنبوذ، فاليهود جنس مستقل يتسم أعضاؤه بالذكاء في الأعمال التجارية والمقدرة على جمع المال، ولكن وجودهم داخل الحضارة الغربية أمر سلبي، إِذ إن جذورهم في فلسطين،

ولذلك دعا بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود، لا في فلسطين وحسب، وإنما في الضفة الشرقية للأردن كذلك وكان المشروع يتلخص في إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وتمويل من الخارج ويكون مركزها استنبول (وقد لاحظ بن هالبرن، وهو أحد المؤرخين المحدثين للصهيونية ومن المؤيدين لها، أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات هرتزل فيما بعد).

وكانت صهيونية أوليفانت تتسم بالعملية والحركية، فاتجه إلى فلسطين للبحث عن موقع مناسب للمستوطن المقترح، واختار منطقة شرق الأردن في شمال البحر الميت وتسمى منطقة جلعاد في التوراة (العهد القديم)، ثم اتجه إلى استنبول (مع ادوارد كازلت الممول الإنجليزي اليهودي) لعرض مشروع سكة حديد وادي الفرات، وقدما طلبه إلى السلطان بإِعطاء اليهود قطعة من الأرض بعرض ثلاثة كيلو مترات على حافتي الطريق المقترح.

 

وكانت تربط أوليفانت علاقة بعدد من الزعماء الصهاينة في شرق أوروبا، ويبدو أنه لم يكن بعيداً عن تأسيس جماعة الـ «بيلو» الصهيونية اليهودية. وقد قام بطرح مشروعهما للحصول على قطعة أرض في فلسطين على السلطان العثماني. وحضر أحد مؤتمرات جماعة أحباء صهيون، كما عارض الجهود التي كانت تبذلها جماعة الأليانس لتهجير اليهود إلى الولايات المتحدة لإِنقاذهم، وقام بجمع توقيعات من اليهود على عريضة يؤكدون فيها رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين لا إلى غيرها من البلدان. وقد نجح أوليفانت بالفعل في تهجير سبعين يهودياً من أصحاب الحرف إليها.

وفي عام 1880 نشر كتابه أرض جلعاد الذي نادى فيه بضرورة توطين اليهود في فلسطين، وشرح أبعاد فكره الصهيوني الذي أسلفنا الإشارة إليه. ولعل من إسهامات الكتاب الأساسية مشروعه الخاص بسكان البلاد من

المزيد


الكيان الصهيوني في أرقام

أيار 13th, 2008 كتبها حسن عزت نشر في , دراسات



تقرير: أزمة الوقود والمحروقات في ظل الحصار الخانق على قطاع غزة

نيسان 26th, 2008 كتبها حسن عزت نشر في , دراسات

إعداد: د. ماهر تيسير الطباع. 
منذ فرضت إسرائيل الحصار الخانق على قطاع غزة بتاريخ 15/6/2007 عملت على تقليص كميات الوقود الواردة لقطاع غزة تدريجيا إلي أن وصلت الكميات الواردة من البنزين إلي 6% ومن السولار إلي 30% من الاحتياجات اليومية المطلوبة و نتيجة لتقليص كميات السولار والبنزين أصيبت مختلف القطاعات في قطاع غزة بحالة شلل شبه كاملة.

بتاريخ 28/10/2007  دخل قطع الوقود عن غزة حيز التنفيذ وبدأت حكومة الاحتلال بتقليص الإمدادات المقلصة الواردة إلى غزة من وقود محطة التوليد بنسبة 15% وذلك من 350 ألف إلى 300 ألف لتر كذلك تم تخفيض إمدادات السولار بنسبة 10% من 1.4 مليون إلى 1.25 مليون لتر في الأسبوع.

بتاريخ 30/11/2007  صادقت محكمة العدل العليا الإسرائيلية علي قرار الحكومة الإسرائيلية  بتخفيض كميات الوقود التي تسمح بمرورها إلى قطاع غزة.

بتاريخ 17/1/2008 بناء علي قرار من وزير الدفاع الإسرائيلي توقفت إسرائيل عن تزويد محطة التوليد بكمية السولار اللازم لتشغيل محطة التوليد لتغرق غزة في ظلام دامس كما توقفت عن إمداد القطاع بالسولار والبنزين للمركبات .

بتاريخ 20/1/2008 تم توقيف محطة توليد الكهرباء بشكل كامل عن قطاع غزة جراء عدم سماح السلطات الإسرائيلية إدخال الوقود لتشغيلها لهذا تم قطع التيار الكهربائي عن أكثر من 70% في قطاع غزه.
بتاريخ 22/1/2008  سمحت إسرائيل بإعادة تزويد قطاع غزة بالكميات المقلصة من المحروقات في رابع أيام الحصار التام الذي فرضته على القطاع مما هدد بإغراق القطاع في أزمة إنسانية.
بتاريخ 7/4/2008 أعلن أصحاب محطات الوقود في قطاع غزة عن رفضهم استلام كميات الوقود الموردة إليهم من شركة "دوور" الإسرائيلية حتى تفي إسرائيل بحاجة القطاع الأساسية من الوقود واستمر الإضراب حتى تاريخ إصدار التقرير.

وتورد إسرائيل 100 مئة ألف لتر سولار يومياً، و 10 عشرة ألاف لتر بنزين و 200 طن من الغاز و هي اقل من حاجة القطاع اليومية للوقود حيث أن قطاع غزة يحتاج يوميا إلى 350 ألف لتر من السولار، و120 ألف لتر من البنزين، و300 طن من الغاز المنزلي، بينما تحتاج محطة التوليد يوميا ما بين 450-350 ألف لتر من السولار الصناعي ا

المزيد


ثقافة الشهادة وجيل النصر في غزة

نيسان 26th, 2008 كتبها حسن عزت نشر في , دراسات

ثقافة الشهادة وجيل النصر في غزة

[

سعيد دويكات

صناعة النصر أمر عظيم تعتد به الأمم وتتفاخر به الأجيال على مرّ العصور وكرّ الدهور ، وقد اعتادت الأمم أن تكرم قادتها وتمجد صناع انتصاراتها ، بما يجعل سيرة هؤلاء القادة منارة يحتذى بها للأجيال اللاحقة ورمزا لتاريخ الأمة وعزتها وكرامتها.

ولكن ثمة أمر أكثر أهمية من صناعة النصر، بل لا يمكن للنصر أن يكون أو أن يتحقق بدونه، ألا وهو صناعة الجيل الذي يصنع النصر.

إذ انه من السهولة بمكان أن تجد شخصا مستعدا لحمل السلاح والقتال ، ولكن لن تجد دائما من هو مستعد للثبات والتضحية خاصة إذا وقعت الواقعة وتبين أن الأمر جد وأن الثمن سيكون أرواحا وأشلاء وأبناء وأملاكا ومعاناة. فمثل هذه الأمور والتضحيات الكبيرة بحاجة إلى نفوس وعزائم كبيرة بحجمها لتتمكن من مواجهتها وتحملها ، وهي بحاجة إلى تربية من نوع خاص تسري في أعماق النفس البشرية فتهزها وتنفض عنها كل أدران الدنيا وموجبات التعلق بها ، فتشخص النفس حينئذ بعيونها نحو هدف أسمى وملكوت أكثر رحابة ونورا يخرجها من ضيق قيودها وعتمة دهاليزها ، ولعل هذا ما يفسر بقاء رسول الله الأكرم ثلاثة عشر عاما وهو يربي أصحابه في مكة رغم العذاب والمعاناة والقتل والتهجير والفتك بالمال والأهل والولد دون أن يرد على ذلك بضربة سيف واحدة مع أنه ورجاله مشهود لهم بالبسالة والشجاعة منقطعة النظير ، بل كان يرد على كل ذلك بالمزيد

المزيد


ما هي الأهداف الإسرائيلية من التدخل في دارفور؟

نيسان 26th, 2008 كتبها حسن عزت نشر في , دراسات

لا شك أن هناك مؤامرة تحاك ضد السودان مدخلها دارفور، وأنه قد سخرت لها كل الإمكانيات المادية والإعلامية في الغرب والعالم لإنجاحها، ولا شك أن هناك أدوارا - معلومة ومكشوفة - لعبتها المنظمات التبشيرية واللوبي المسيحي المحافظ الأمريكي في تأجيج الحرب والتدخل في دارفور، ولكن ما هو غير معلن أن هناك دورا إسرائيليا صهيونيا لإشعال دارفور هدفه الرئيسي التغطية على محارق غزة وما تفعله تل أبيب في فلسطين.

      وقد أطلق السودان مؤخرا حملة دبلوماسية مدعمة بالوثائق والأدلة تكشف النقاب عن خطط اللوبي الصهيوني في العالم ضد السودان في دارفور، وتكشف أهدافها بغرض تبصير قادة العالم العربي بعلاقة الصهاينة (في إسرائيل والغرب) بما يجري في دارفور، وبخطورة إعلان فصيل أساسي من الفصائل المسلحة في دارفور افتتاح مكتب له في تل أبيب.

      الهدف المتحد الذي تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وإسرائيل معا هو نشر مزاعم عن عمليات إبادة غير حقيقية تمهيدا للتدخل الدولي وتفتيت السودان وزرع الفوضى في دارفور وتأجيج الصراع.

      وليس سرا - كما تقول مصادر رسمية سودانية - أن هناك 258 منظمة أجنبية تضم جيشا جرارا ممثلا في 15 ألف عضو تعمل في دارفور، وليس سرا أن هناك محاولات غربية للمتاجرة بقضية لاجئ دارفور في تشاد الذين يبلغ عددهم 200 ألف نسمة فقط بغرض التدخل العسكري بحجة إعادتهم وفرض الاستقرار هناك.

      ليس سرا أيضا أن هناك تعمدا صهيونيا وغربيا واضحا في تضخيم ما يجري في دارفور بالحديث عن إبادة جماعية نالت مئات الآلاف من اللاجئين رغم أن سكان دارفور 6 ملايين و750 ألف نسمة، وكل النازحين عن أراضيهم في معسكرات (21 معسكرا) داخل السودان 650 ألف إنسان.

      أيضا هناك تضخيم لمشكلة الفارين السودانيين للدولة الصهيونية والزعم أنهم 6 آلاف من دارفور ، بل يجري "عمل مخابراتي كبير" - وفق مصدر سوداني رفيع - لإغراء سودانيين للهرب لتل أبيب لتأجيج مشكلة دارفور، في حين أن الحقيقة هي أن عدد الإجمالي لا يتعدى 350 فردا أعادت إسرائيل منهم 48 إلى مصر، وأن أبناء دارفور لا يشكلون سوى نحو 10% من هؤلاء اللاجئين، إلا أن دولة الكيان الصهيوني سعت إلى تضخيم هذا العدد في محاولة لتبيض وجهها المسود أمام العالم والظهور كدولة تستضيف لاجئين وأناسا هاربين من المحرقة في دارفور.

إسرائيل على خط دارفور

      وفي لقاء لـ (إسلام أون لاين.نت) مع الوزير المفوض والسفير السوداني المناوب بالقاهرة إدريس سليمان لكشف حقيقة الدور الذي يقوم به "اللوبي الصهيوني العالمي" في دارفور، اتهم "إدريس" هذا اللوبي بأنه المسئول الأول عن كارثة دارفور، وقال  إن فتح حركة تمرد "عبد الواحد عبد النور" الدارفورية لمكتب لها في تل أبيب هو "خاتمة" لهذه الحملة الصهيونية لتأجيج أزمة دارفور.

وثائق الخطة

      وتقوم الخطة الصهيونية على ثلاثة محاور للتحرك، إعلامي (بنشر معلومات مضخمة كاذبة عن المأساة)، وعسكري (بإغراق المتمردين ودارفور بالسلاح)، وسياسي (بإخراج مظاهرات متعددة في عدة عواصم عالمية، وتحريك برلمانيين أمريكان وأوروبيين، والدعوة لقرارات ضد الخرطوم حتي أنه صدر في عامين 20 قرارا في الأمم المتحدة)!

إغراق دارفور بأسلحة إسرائيلية!

      وقد كشف السفير إدريس سليمان عن أن حكومة الخرطوم ضبطت أسلحة إسرائيلية في دارفور بأيدي حركات التمرد، ما يؤكد التورط الصهيوني هناك، وقال إن المخابرات الأردنية كشفت عن شبكة لتهريب أسلحة إسرائيلية لدارفور متورط بها ابن "داني ياتوم" مستشار الحكومة الإسرائيلية، وإن الصهاينة أكدوا أن هدفهم هو إغراق دارفور بالسلاح ودعم المتمردين كي تظل منطقة توتر وقلاقل مستمرة.

      وقد اعترفت صحف إسرائيلية (هآرتس) في 16 فبراير 2007 بأن من ضمن هذه الصفقات العديدة التي أبرمتها تل أبيب واحدة مع "بلد مجاور للسودان يعتبر ساحة لحركات التمرد في دارفور" (تشاد) كما أن معهد أبحاث قضايا الدفاع والأمن في بروكسل ذكر في دراسة عن تهريب السلاح لإفريقيا أن دارفور أصبحت موردا لتجارة السلاح الإسرائيلية وأن "إسرائيل تغرق دارفور بالسلاح".

"تحالف إنقاذ دارفور"

      وقد ابتدر اللوبي الصهيوني الحملة ضد الخرطوم بزعم إبادة سكان دارفور الأفارقة بعدة خطوات كان أبرزها إصدار إعلان تحذيري بمزاعم وقوع "إبادة" في دارفور، وما تبعها عام 2004 من إطلاق لجنة لتأسيس حملة ضد هذه الإبادة المزعومة في دارفور عبر ما سمي "تحالف إنقاذ دارفور" ليقوم كـ "مظلة تنسيقية" لحشد الجهود وزيادة أوار الحملة.

      وبالمصادفة كشفت صحف أمريكية -

المزيد


التالي



فلسطين قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا

Ubnd-1.gif