مهدي قاضي

هذه الكلمات في الفقرات التالية موجهةٌ لروح الأمة, وحاملي همها من الدعاة والمصلحين, وأصحاب الأقلام الطيبة, وإن كان الأصل أن كـــــل الأمة تكون كذلك, فالدعـــوة إلى الله مسؤوليــــة الجميــــــــع.
أولا : إشكــــــــــــــــالات في الخطاب:
1- يحز في النفس كثيراً أن العديد من الخطباء والمحاضرين والكتاب والشعراء في وقتنا الحاضر وبالذات في مآسينا (وأيضاً تخبطاتنا) الأخيرة الرهيبة, لا يقومون في خطبهم ودعائهــــــــــم وتوجيهاتهــــــــم -عند الحديث عن هذه المآسي- بتذكير المسلمين بواجب العودة إلى الله, وواجب كل مسلم في تحقيقها بالشكل الواضح والكافــــــــــــــي, والمؤثـــــــــــــر الحــــار, الذي يوصـل هذه الحقيقة إلى كــل المسلمين, مبيناً لهم بوضوح أن هذا هو الحـل,….. ومشعـــراً لهم بأن مسؤوليــــة تحقيقه تقع على كل فــــــــــــــرد مسلم,
مع أن هذا هو الحل الحقيقي الجذري( (الموصل لتحقيق النصر, وإيقاف المآسي, وردع أعداء الدين.
قال تعالى: ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ )..الآية (محمد:7),
وقال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..الآية(الرعد:11),
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابن عمر ( إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد, سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعـــــــــــــوا إلى دينكم) (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني).
ويبدو أن عدم وضوح بعض الأسس الإسلامية, إضافة إلى الضياع الفكري والتوجهي الذي تعيشه أمتنا حاليا, قد أثرا أيضا حتـــــــــى على العديد من الدعاة والمصلحين ؛ فرأينا البعض يتكلم ويكتب عن مآسي ومذابح الأمة بنظرة سمتها التركيز على الحلول الجزئية بما فيها الإكثــــــار من نقد التوجه العالمي, والتحدث عن الأسباب السياسية والمادية أكثـــــــــــر من النظر للخلفيـــــــــــات الشرعية( ) المتعلقة بهذه الأحداث.
والأهــــــــم من ذلك عــــــــدم التركيـــــــــــــز بدقــــــــة, وإيضـــــــــــــاح تام كـــــــــــافٍ على الحل الحقيقي لكل هذه المآسي بالشكـل الذي يصـــــــل إلى قلب ويقيـن كـــــــل مسلم (وليس إلى فكره فقط), مشعــــــــــرا له بواجبه في التغيير( ) والعـودة والدعــوة إلى الله.
وفي بعض الخطابات والبيانات المتعلقة بالمآسي وكثير من المشكلات التي تعيشها الأمة ذكر موضوع التوبة وعودة الأمة والحذر من المعاصي ولكنه كان يذكر عَــرَضَــــاً, أو باختصار شديد قد لا ينتبه له, أو فقط كنقطة من النقاط ضمن نقاط أخرى عديدة وبدون التركيز الكافــــي عليه, مع أنه أس قضايانا وكما يقال قضية القضايا.
2- أيضاً يلاحظ في الكثير من المآسي التركيز على الدعـــــاء والدعم المالـــــي مــع الضعف في تذكير الأمة بواجب التوبة والعودة وإصلاح المسار,.… والدعاء والدعم المالي على الرغم من أهميتهما وضرورتهما إلا أنهما ليسا الواجب الوحيد والأهــــــم, وقد أصبح هذا المظهر أي مواجهة المذابح فقط بالدعاء والدعم المالي سمة لأمة الإسلام في العقود الأخيرة, وهل يعقل أن يستمر حال أمة الإسلام في كل مذبحة لأبنائها بهذا الشكل, بل إن أي أمة لا ترضى أن يستمر حالها هكذا في كل مذبحة ومأساة تتعرض لها, فكيف بنا أمة الإسلام ونحن مَنْ مِنَ المفترض أننا ندرك قيمة الدم المسلم عند خالقنا العظيم سبحانه وتعالى.
لذا فبالإضافة إلى تذكير الأمة بواجب الدعاء والدعم المالي وقت حدوث المآسي, فلا بـــــد من التذكير والتركيز في ذات الوقت على واجب التوبة والعودة وإصلاح المسار, لأنها الطريق الذي سيقود الأمة بإذن الله إلى العزة والجهاد والنصر, حتــــى يأتــــــي اليوم الذي توقف هذه المذابح والمآسي حال حدوثها, ولا نكتفي عندها فقط بالدعاء وتضميد الجراح, بينما السفاحون يقتلون ويبيدون!!.
بل في ذلك الوقت أي عندما تسترجع الأمة عزتها لـــــــــــــــــن يتجرأ عليها بإذن الله أعداء الدين, ويستبيحون كرامتها في كل حين, كما هو حاصل الآن حتى أننا أصبحنا أذل أمة على وجه الأرض.
خاصـــــــة أن الأمة في أيام الأحداث تكون متأثرة ومتفاعلة, وخســــــــــارة عظيمة أن لا تذكر بواجب التوبة وإصلاح المسار وهي في قمــــــــة تفاعلها.
وإن من سلبيات التركيــــز على الدعاء المقتصر على الدعاء للمنكوبين, وعلى الدعم المالي لهم مـــــــــــع ضعف التركيز على تذكير الأمة بالتوبة والإصلاح أن قد يحدث تخديـــــــــــــــــر للمسلمين, فيشعرون أنهم -بعمل ذلك فقط- يكونون قد أدوا ما عليهم, بينما هم مستمرون ويستمرون في الغفلة واقتراف المنكرات والإصرار على المعاصي التــــــــــي هي مصيبتنا العظمى( ), وأساس ذلنا وضعفنا وهواننا, واستئساد الكفار علينا وتمكنهم منا, وعجزنـــــــا عــن إنقاذ إخواننا, كما بين ذلك لنا كتاب ربنا العظيم وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- أيضاً وعلى الرغم من سرور قلوبنا بما نقرؤه ونسمعه من العديد من الصادقين من تألم على الواقع والجراح, إلا أننا من كثرة المآسي والجراح, وفي غياب التذكير بالحل الحقيقي بوضوح, أصبحنا نمل أحيانا من كثرة البكاء والتباكي على واقع الأمة المتكرر,
فهل الهدف هو البكاء للبكاء؟
أم هل الهدف هو البكاء والتألم فقط لجمع المال للمنكوبين والمشردين؟ والذي لاشك
في أهميته إلا أنه حل جـــــزئي ووقتــــــي, خاصـة إذا لم يربط بالحل الحقيقي,…
فالأصل أن يكون الهدف والمؤمــــــل الأكبــــــــــــــــــــــــــر من البكاء والتألم هو
جعل ذلك شعلــــــــــــــــة( (للأمة للانطلاقـــــــــــة نحــــو التغييـــــــــــــــــر في
واقعها, والعودة إلى الله, والدعوة إليه, التي -بإذن الله- بها وبنتائجها وثمراتها تعز الأمة, ويعود مجدها, وينطلق بقوة جهادها, وتنتصر وتحل كل مشكلاتها(وتخبطاتها) .
4- يتكلــم العديد من المحاضرين والشعراء والكتاب وتصــــدر توجيهــــات من بعض الدعاة بعــــــد العديد من المآسي والمحن عن الجهاد وعزة الأمة ووحدتها ونخوتها, ولاشك أن هذا تذكير نحتاجه وأن هذه أسس هامة جداً ونحن بأمس الحاجة إليها وبها بإذن الله يتحقق النصر ولكـــــــــــــن……
كيــــــف السبيل إليها؟
وهل وُضِّح للناس كيف نصل لطريق الجهاد؟ وكيف يتحقق النصر فيه؟
وكيــــف تحدث العـزة والوحـدة؟
هل نريد من المسلمين أن يثبوا فجأة للجهاد, رغم كل العوائق وأهمها الذنوب والمعاصي؟,.. ونتمنى أن يحدث ذلك ولكن المخدر بشكل عام عادة لا يقوم فضلاً من أن يثب وثوباً حقيقياً.
ثم لو حصل الجهاد من أمتنا بدون تركها المعاصي ومجاهرة الجبار بها فلن يحصل النصر الحقيقــي التــام. ( )
وحتى لو حصل نصر مؤقت فهل يكفينا حدوثه بينما أمتنا مستمرة في بعدها, وأين نضع هذا بالنسبة لأهداف الجهاد العظيمة وغاياته؟!! وهل هدف الجهاد في الإسلام هو فقط إنقاذ المسلمين؟! فعلى الرغم من أهمية وضرورة هذا الهدف, إلا أن الهــدف الأعلــى والأعظــــم للجهاد هو حفظ الدين وإقامته وتعبيد الناس لله رب العالميـن (ويكـــــــون الدين لله)(البقرة:193, الأنفال:39).
ولا يخفى على الدعاة والمصلحين ما حصل في أمتنا من بعد كبير عن حقيقة دينها, ولا يخفى أيضا ما يفعله المفسدون في الأمة, حتى وصل الأمر إلى حد محاربة أوامر الله وتحكيم غير ما يرضاه.
وليتنا نرجع إلى كتب التفسير ونتأمــل بعض الحكم المستفادة من قوله تعالى في سورة محمد[سورة القتال]: ( طاعــةٌ وقولٌ معروفٌ فإذا عــزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم) (محمد:21).
ومسألة أخرى هامة تجدر الإشارة إليها هنا وهي: أن تذكيرنا للأمة بالجهاد بــــــــــــــــــدون توجيهها للتوبة والعودة قــد يــــــــؤدي إلى حدوث اتكاليــــــــة وتأخر في التغيير و
المزيد